تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فالتّطبيق إذًا جُزء يجزّأ أجزاؤه، وأمّا الاعتقاد إذَا جُزّئ فإنّه عند الله لا يجزّأ، فإمّا أن يقبل كلّه أو أن يُردّ كلّه، أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ [البقرة:85]، الخطابُ خطابُ عقيدةٍ إذًا لا خطابُ تطبيق، وكم من أُناسٍ عجزوا أو نكصوا عن أن يطبّقوا الإسلام كلّه فتركوا بعض تعاليمه، فهل نقول: إنّ كلّ ما طبّقوا مردودٌ عليهم لبعض ما تركوا؟! لا، بل إنّهم يُؤجرون ويأثمون، ميزان حسناتٍ وميزان سيّئات دقيقان لطيفان يحاسبان بمثقال الذّرّة، فالحسنة محسوبة والسّيّئة محسوبة، أمّا إن تعلّق الأمر بالاعتقاد فإنّ التّجزئة هنا غير مقبولةٍ بحالٍ من الأحوال، أن يقول قائل: "يعجبني في الإسلام تعاون أفراده، ويعجبني في الإسلام الحسّ الرّوحيّ اللّطيف فيه، ويعجبني في الإسلام تهذيب الأخلاق فيه، ويعجبني في الإسلام الصّلة بين العبد وربّه، كلّ هذا أقبله، فأنا مسلمٌ من هذا المنطلق، ولكنْ أن تقول لي: عبوديةٌ في القرن العشرين والحادي والعشرين! وأن تقول لي: قطعٌ للأيدي في عصر حقوق الإنسان! وأن تقول لي: رجمٌ بالحجارة في عهد المنظّمات الدّوليّة ووسائل الإعلام تبثّ كلّ صغيرةٍ وكبيرة! فإسلامٌ من هذا النّوع لا يعجبني، إذًا أنا مسلم"، نقول له: إذًا أنت غير مسلم، لأنّ المسلم مستسلم، وليس الإسلام إلاّ إسلام الكلّ لله تعالى، فلا تكون مسلمًا ما لم تسلّم عقلك وهواك وجوارحك بعد ذلك كلّه للدّين، فإن كنت غير مستعدٍّ لأن تستسلم جملةً وتفصيلا فإذًا أنت لست مسلما، وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ [الأحزاب:36]، ((لا يؤمن أحدكم حتّى يكون هواه تبعًا لما جئت به)) أخرجه الحسن بن سفيان وغيره عن أبي هريرة، قال ابن حجر: "ورجاله ثقات" وصححه النّووي في الأربعين، حتّى يكون عقله، حتّى يكون منطقه، وحتّى تكون طريقة تفكيره، كلّ ذلك تبعًا لما جاء به .

بهذا نخاطب المؤمنين الّذين زعموا أنّهم يكونون مسلمين وإن ردّوا بعض عقائد الإسلام، فبماذا نخاطب غير المسلمين؟

خاطبناهم طويلاً في شبهاتٍ كثيرةٍ عديدةٍ، كلّمناهم عن الفسق، كلّمناهم عن التّسرّي واتّخاذ الجواري، كلّمناهم عن الحدود، عن القطع وعن الجلد وعن الرّجم، ولربّما نعود إلى ذلك مرّةً أخرى لنستوفيه، ولكنّنا لمّا نكلّمهم عن شبهة عظمى من شبهاتهم الّتي كثيرًا ما تشدّقوا بها ولاكتها ألسنتهم، وعندما تكلّموا بها زعموا أنّهم أصابوا من الإسلام مقتلا، وزعموا أنّ المسلمين أجمعين سيقفون عاجزين لأنّ الإسلام ثبت أنّه دينٌ غير حضاريّ، إنّها حرّيّة الرّأي، إنّها حرّيّة اعتناق المذهب والمبدأ والدّين، إنّها الحرّيّة الّتي أعطاها الإسلام أتباعه ورعايا دولته من غير أتباعه على حدٍّ سواء، بينما زعم غير المسلمين أنّها حرّيّةٌ مفقودةٌ في ظلّ دولة الإسلام، تلك الدّولة الّتي يزعمون أنّها دولةٌ ثيوقراطيّة؛ دولةٌ يسود فيها الحكم الدّينيّ الإرهابيّ الجائر، وليست الثّيوقراطيّة من الإسلام في شيء، إنّما الإسلام أُنموذجٌ لا يمكن أن يُعبّر عنه مصطلحٌ من المصطلحات الغربيّة؛ لأنّه أُنموذجٌ لا يعرفونه، فلا يشبهه حكمٌ دينيٌّ نصرانيّ، ولا حكم دينيٌّ يهوديّ، ولا حكمٌ دينيٌ بوذيّ، ولا يشبهه بالمقابل حكمٌ مدنيّ، فهو حكمٌ جمع بين الدّينيّ الثّيوقراطيّ وبين المدنيّ المتحلّل، هو حكمٌ دينيٌّ مدنيٌّ في آنٍ معًا، هو حكمٌ منضبطٌ حرٌّ في آنٍ معًا، ولكنّه ذلك التّحرّر الوسط ما بين التّحلّل والتّحجّر، وديننا دين أوساط، وما من وسطٍ إلاّ هو فضيلة وسطٌ بين رذيلتين، الفضيلة هي وسطٌ بين رذيلتين، يعرف ذلك علماء الأخلاق، فلماذا حاكموا الإسلام بمعيارٍ آخر؟ فأرادوا أن يكون الإسلام بعيدًا عن الوسط طوباويًّا خياليًّا على طرف نقيضٍ من الرّذيلة، أفلا يعلمون أنّ كلّ طرفي نقيضٍ متقابلين متشابهان؟! فما قابل الرّذيلة فهو رذيلة، ما قابل التّزمّت المذموم تحلّلٌ مذموم، ما قابل التّعصّب المذموم تسيّبٌ مذموم، والحقّ هو الوسط بين الأضداد، التّحرّر وسط بين التّحلّل والتّحجّر، الإسلام ما دعا إلى تحجّرٍ وتزمّتٍ وانغلاق، ولكنّه بالمقابل ما أفسح المجال لأيٍّ كان حتّى يتحلّل من الضّوابط والقيود ويفعل ما يشاء متى يشاء بالشّكل الّذي يشاء، لكنّه ضبط.

الحرّيّة الدّينيّة ـ إخوتي ـ أسٌّ من أسس الإسلام، لمّا كان الأنصار أوسًا وخزرجًا في الجاهليّة قبل أن تصهرهم بوتقة الإسلام كان بعضهم لا يعيش له ولد وكان ينذر إن عاش له ولدٌ أن يهوّده؛ بحكم معاشرة اليهود للعرب ـ الأوس والخزرج ـ في تلك المدينة، فلمّا جاء الإسلام ونُوِّرت المدينة المنوَّرة كان كثيرٌ من أبناء الأنصار عبدة الأوثان يهودًا، فأسلم الآباء وبقي الأبناء على دينهم، رغب الآباء في إسلام أبنائهم، ورغب الأبناء عن إسلام آبائهم، وما بين الرّغبة في الإسلام والرّغبة عن الإسلام صار الحبل يُشدّ بين الآباء والأبناء، حتّى همّ الآباء بإجبار أبنائهم على اعتناق الإسلام، عندها أنزل الله تعالى قوله: لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [البقرة:256].

المفصل في شرح حديث من بدل دينه فاقتلوه · الصفحة ٦٦٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في شرح حديث من بدل دينه فاقتلوهص ٦٦٦