ولكنّه لا يحتاج إلى من يدافع عنه؛ لأنّه حقّ بذاته لا بمدافعيه، ولأنّه كمالٌ بذاته لا بمناصريه، ولكنّ شرفًا للمرء أن يكون مدافعًا عن الدّين الكامل وإن كان هذا الدّين مستغنيًا عنه؛ لأنّ الله جلّ وعلا تكفّل بحفظه ببشرٍ أو بغير بشر، فهو محفوظ.
شبهات كثيرة رددنا كثيرًا منها وبقي الكثير، وتكلّمنا عمّا يُزْعَم من أنّ الإسلام دين عنفٍ وقسوة ودين إرهابٍ وتطرّفٍ وبطش، فهو دينٌ يطالب بإيجاد مجتمعٍ إرهابيٍّ تسود فيه الأحكام الجائرة، فتارةً يذبَّح أشخاصٌ، وأخرى تقطّع أيديهم، يجلدون ويرجمون بالحجارة حتّى الموت، عقوباتٌ عفا عليها الزّمان كما يقولون، عقوباتٌ صارت تتنافى مع حقوق الإنسان في القرن الحادي والعشرين، عقوباتٌ صارت بعيدةً عن الحسّ الحضاريّ لإنسان العصر الحديث ولإنسان النّظام العالميّ الجديد؛ لذلك علينا أن نقوم بأحد أمرين: إمّا أن نُنظّف الإسلام من هذه الأحكام الجائرة حتّى يصير دينا حضاريًّا، وإذا عَجَزنا عن هذا التّنظيف فلندع الإسلام جملةً وتفصيلا؛ لأنّ دينًا فيه مثل هذه الأحكام ليس أهلاً لأن يُطبّق في زمان النّظام العالميّ الجديد.
سمع مسلمون هذا الكلام فأعجبهم وغرّهم، فأخذوا بالرّأي الأوّل ظانّين أنّهم به يكونون مسلمين، قالوا: إذًا نبقى مسلمين ولكنْ مع إجراء بعض عمليّات التّطهير والتّنظيف لهذا الدّين؛ نريد إسلامًا حضاريًّا خاليًا من الشّوائب، نريد إسلامًا لا عنف فيه، نريد إسلامًا لا إرهاب فيه، نريد إسلامًا لا تقطع فيه الأيدي ولا يرجم فيه الرّجال والنّساء ولا يجلد فيه الأُناس البرآء الّذين أذنبوا ذنبًا لا يتناسب مع هذه العقوبة العظيمة.
صدّق أولئك هذا القول، فإذا بهم يحاربون الإسلام من حيث أرادوا أن ينصروه، ويوسّخونه من حيث أرادوا أن ينظّفوه، الإسلام برّاقٌ بذاته لا يحتاج إلى من يلمّعه، فإذا زعم امرؤٌ عندما يُحرف شيئًا من تعاليم الإسلام وأحكامه أنّه يلمّع الإسلام فإنّه يزعم إذًا أنّه يزيد فيه، والإسلام كامل، وليست الزّيادة على الكامل إلاّ نقصانا، الكامل لا يُزاد فيه، فمن زعم أنّه زاد الكامل فوق كماله فهو إذًا ينقصه، ومن زعم أنّه يلمّع الإسلام فوق لمعانه فهو إذًا يوسّخه.
خذوا الإسلام كما هو، خذوه جملةً واحدة، أو فدعوه جملةً واحدة، أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاء مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ [البقرة:85]، كَمَا أَنزَلْنَا عَلَى المُقْتَسِمِينَ الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ، جعلوا القرآن عضين أعضاء وأشلاء مفرقةً مبعثرةً، يأخذون ما بدا لهم ويدعون ما لم يبدُ لهم، يأخذون ما توافق مع هواهم ويدعون ما تخالف معه، يأخذون ما وافق عقولهم الفاسدة ويدعون ما خالفها، كَمَا أَنزَلْنَا عَلَى المُقْتَسِمِينَ الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِيْنَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الحجر:90-93].
خذوا الدّين جملةً أو فدعوه جملة من حيث الاعتقاد، أمّا من حيث التّطبيق فإذا أخذت بعضه وتركت بعضه فإنّك تُؤجر على ما أخذت وتأثم على ما تركت، قد يُجَزَّأ الإسلام تطبيقًا، فإذا رأيت امرأً يصلّي الصّلوات الخمس ولا يصوم في رمضان فلا تقل له: صلاتك مردودةٌ عليك ولا قيمة لها عند الله، بل إنّ لصلاته أجرًا، ولترك الصّيام وزرًا، وإذا رأيت امرأةً سافرةً متبرّجة تصلّي وتصوم وتكثر من النّوافل في الصّلاة وفي الصّيام وتتصدّق وتكثر من الصّدقات فلا تقل لها: إنّ أعمالك كلّها هباءٌ منثور ولا قيمة لها ومردودةٌ في وجهك لأنّكِ تركت الحجاب، عليك أن تأخذي الدّين كلّه أو تدعيه كلّه، لا، بل إنّها تؤجر على ما فعلت وتأثم على ما تركت ما دامت بالكلّ معتقدة.