خامساً : حتى نفهم العلاقة مع الغرب لابد أن ننظر في موضوع الصراع بين الحضارات الذي هو موضوع غربي بامتياز حيث يعود إلى العصر اليوناني والروماني اللذين سادت فيهما مفاهيم الصراع بدلالاتها المتعددة ومعانيها المتنوعة، انطلاقاً مما كان يعرف في الفكر اليوناني القديم من عقيدة " صراع الآلهة " و" صراع القوة والضعف " و" صراع الخير والشر "، و" صراع الإنسان مع الطبيعة " و" صراع الإنسان مع الآلهة "، كما لا يخلو " العهد القديم " من روح الصراع هذه، فالصراع إذن أسٌّ من الأسس الثابتة التي قامت عليها الحضارة الغربية، وإذا تأملنا اليوم الوضع الدولي العام، وجدنا أن نظام العولمة الذي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية وتسعى إلى فرضه على العالم عبر مجموعة من التدابير والأنظمة يُراد تطويعُها وصبّها في قالب دولي للدفع بنظام العولمة إلى اكتساح المواقع وفرض الوجود على العالم كلّه، وجدنا هذا النظام تعبيراً عن فكرة الصراع وانعكاساً لروحها، كما أن الحرب على الإرهاب وفق المنظور الأمريكي، تحولت هي الأخرى إلى حرب من أجل الهيمنة والتسلّط، وفرض المفهوم الأمريكي لصراع الحضارات بالقوة.
سادسا : رغم أن الغرب هو الذي أنشأ ورعى ويصدر مفهوم الصراع الحضاري إلا أن السؤال الذي يطرح نفسه: هل هذا المفهوم حتمي الحدوث؟ كما بشر بذلك صامويل هنتنغتون في كتابه الشهير "صدام الحضارات وإعادة صنع النظام العالمي"، الذي صدر في عام 1996م وفرانسيس فوكوياما الذي أصدر كتابه الشهير أيضاً "نهاية التاريخ"؟
الإجابة هنا هي النفي المطلق، ومن هنا يأتي دورنا كمسلمين في تعميق مفهوم "التدافع الحضاري" كسنة ربانية بديلا عن مفهوم الصراع الغربي، وليس يعني ذلك أن الحياة ستسير وفق خط بياني صاعد ومطّرد تتحقق فيه المصالح والمنافع للناس كافة في جميع الأحوال وتترقى ذواتهم، وأن الخير والشر لا يتصادمان، وإنما القصد من ذلك أن التدافع يُبطل الصراع، وأن الخير يغلب على الشر، وأن الحضارات تَتَواصَلُ وتَتَلاقَحُ وتَتَدافَعُ، وأن قيم الخير والعدل والفضيلة ومكارم الأخلاق والسلام في النفس وفي الأرض هي مقوّمات الحضارة التي تخدم الإنسان، وأن الحق والعدل هما قاعدتا الحضارة التي يسعد الإنسان في كنفها ويُبدع ويعمّر الأرض ويصلح ولا يفسد، فإن الصراع حالةٌ عارضةٌ، وهو شذوذٌ عن القاعدة، وليس طبيعةً من طبائع الحضارات، لأنه يَتَنافَى والفطرة الإنسانية، وهو نقيضُ " التدافع الحضاري " الذي قامت الحضارة الإسلامية على أساسه، وهو إلى ذلك كلِّه، البديلُ الموضوعيُّ للفوضى التي تسود الأوساط الفكرية والسياسية في العالم اليوم، من جرّاء شيوع مفاهيم مغلوطة ورؤى مشوّشة وتحليلات مغرضة تدفع بحركة الفكر العالمي وبالسياسة الدولية على وجه العموم، نحو مناطق مجهولةٍ محفوفةٍ بالمخاطر التي تتهدَّد الإنسانية في حاضرها وفي مستقبلها.
سابعاً : وإن كان هذا الأفغاني قد أعلن ردته فإن المشكلة تكمن فيمن هم على شاكلته ولكنهم لايعلنون ردتهم ليظلوا شوكة في خاصرة المجتمعات المسلمة، كذلك لن يستطيع الغرب أن يجرنا إلى مفهومه لصراع الحضارات ولكننا سنظل أوفياء لقيمنا وسندعوهم " للتدافع الحضاري " و" التفاعل الحضاري ".
وأخيرا : فإنني أهدي الغرب هذه الوثيقة التاريخية مثالا على تطبيقنا لمبادئنا التي عشنا لها وسنموت من أجلها، " من جورج الثاني ملك انجلترا والسويد والنرويج إلى الخليفة ملك المسلمين في مملكة الأندلس صاحب العظمة هشام الثالث الجليل المقام .. بعد التعظيم والتوقير نفيدكم أننا سمعنا عن الرقي العظيم الذي تتمتع بفيضه الصافي معاهد العلم والصناعات في بلادكم العامرة .. فأردنا لأبنائنا اقتباس نماذج من هذه الفضائل لتكون بداية حسنة في اقتفاء أثركم، لنشر ربوع العلم في بلادنا التي يحيط بها الجهل من أركانها الأربعة، وقد وضعنا ابنة شقيقنا الأميرة " دوبانت " على رأس بعثة من بنات الأشراف الانجليز لتتشرف بلثم أهداب العرش والتماس العطف، لتكون مع زميلاتها موضع عناية عظمتكم، وقد زودت الأميرة الصغيرة بهدية متواضعة لمقامكم الجليل ... أرجو التكرم بقبولها مع التعظيم والحب الخالص .." من خادمكم المطيع / جورج الثاني".
المصريون: صبري السيد (بتصرف يسير)
===============
الرد على شبهة حرية الرأي: حد الردة
باسل بن عبد الرحمن الجاسر
حلب
جامع الرئيس
محامد و أدعية طباعة الخطبة بدون محامد وأدعية
-------------------------
ملخص الخطبة
1- كمال الدين الإسلامي. 2- تفنيد دعوى أن الإسلام دين الإرهاب. 3- الإسلام بين الغلاة والمتحللين. 4- الفرق بين العقيدة والتطبيق. 5- قضية حرية الرأي. 6- الحرية الدينية في الإسلام. 7- الجهاد والحرية الدينية. 8- شبهة قتل المرتد. 9- أصناف المرتدين. 10- استتابة المرتد. 11- من آداب الدعوة وأحكامها. 12- متى يقتل المرتد؟ 13- قصة المنافق عبد الله بن أبي بن سلول. 14- المسلم بحكم البيئة إذا ارتد عن دينه.
-------------------------
الخطبة الأولى
أمّا بعد: أيّها الإخوة المؤمنون، دينٌ كاملٌ لا نقص فيه، محكمٌ لا ثغرة فيه، مضيءٌ لا ظلمة فيه، والكامل هو الّذي يراد بالتّنقّص دون النّاقص.
وإذا أتتك مذمّتي من ناقصٍ…فهي الشّهادة لي بأنّي كامل
وكما قال الصّينيّون: "إنّ النّاس لا يرمون بالأحجار إلاّ الشّجرة المثمرة"، لهذا فقد كان هذا الدّين غرضًا لسهام كثيرٍ من الحاقدين، وكان هذا الدّين مظنّةً لظنون كثيرٍ من الجاهلين، وأمّا أولئك الّذين ما كانوا حاقدين ولا كانوا جاهلين فإنّ كثيرًا منهم وقفوا عاجزين عن ردّ شبهات المشبّهين وعن ردّ ظنون الظّانّين، فضاع الإسلام بين حاقدٍ وبين جاهلٍ وبين عاجز.