تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أو قال وقد ملأ وعاءً: ﴿وكأساً دهاقاً﴾(1) أو أفرغَ شراباً فقال: ﴿فكانت سراباً﴾(2) أو عند وزن أو كيل: ﴿وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون﴾(3) أو عند رؤيةِ جمعٍ: ﴿وحشرناهم فلم نغادر منهم أحداً﴾(4) بقصدِ الاستخفافِ فى الكُلِّ بمعنى هذه الآيات. وكذا كلُّ موضع استُعمِل فيه القرءانُ بذلك القصد، فإن كان بغير ذلك القصد فلا يكفر. لكن قال الشيخ أحمدُ بن حجرٍ: لا تبعدُ حرمتُه

الشرح: أنَّ من أورَدَ ءايةً من ءايات القرءان فى أَىّ موضع لأجل الاستخفاف بها فهو كُفر. كأن كان يملأُ كأساً بالخمرِ فقال: ﴿وكأساً دهاقاً﴾ يريدُ بذلك أن هذا الخمر الذى يضَعُهُ فى هذه الكأس خيرٌ من شرابِ أَهْلِ الجنة، يعنِى أنَّ هذا هو الشرابُ المُسْتَلَذُّ ليس ذاكَ الموعودَ به أهلُ الجنة، فإنه يَكْفُر لأنه استَخَفَّ بمعنَى ءايةٍ من ءاياتِ كتابِ الله. أما لو أوردَ ءايةً من الآيات فى غيرِ موضِعِهَا لكن بغيرِ استخفاف فلا يَكفر. كأن رأى أُنَاسَاً مُجْتَمِعِينَ أو دَعَا أناساً للاجتماع فاجتمعَ قومٌ كثيرون فأورد قولَ الله: ﴿وحشرناهم فلم نغادر منهم أحداً﴾ وهو لا يريد بذلك الاستخفاف بالآية فلا يكفر. لكنْ قال أَحْمَدُ بنُ حَجَرٍ الهَيْتَمِىّ الفقيهُ الشافعىُّ المعروفُ: إنّ هذا الأمر وإن لم يكن كفراً لكن ليس بعيداً أن يقال عنه حرام، لأنه إيرادٌ للآية فِى غيرِ موضِعِهَا وهذا فيه إسائةُ أَدَبٍ مع القرءان.

وكذا يَكْفُرُ مَنْ شَتَمَ نَبِيًّا أو مَلَكًا

الشرح: أَنَّ من شَتَمَ نبياً من الأنبياء أو مَلَكَاً من الملائكة فهو كافر بلا تفصيل.

أو قال: أَكونُ قَوَّاداً إِنْ صَلَّيتُ أو ما أصبتُ خيراً منذُ صليتُ أو الصلاةُ لا تصلح لِى بقصدِ الاستهزاء

الشرح: أن الذى يقول هذه الألفاظَ بقصدِ الاستهزاء بالصلاة فهو كافر بلا شك. كالذِى يقولُ عن نفسه إنه إذا صلَّى يكون قواداً -والقواد هو الذى يجلب الزبائن للزوانى- فإنَّ هذا القائل يكفر لأنه مستخفٌ بالصلاة. لكن لو قالت امرأَةٌ حائِضٌ: "الصلاة لا تصلُحُ لى" وتريد بذلك أنه طالما أنا فى الحيض لا يجوز لِى أن أصلّىَ فلا تَكْفُر.

أو قالَ لمسلمٍ: أنا عَدُوُّك وعدوُّ نَبِيِّكَ أو لشريفٍ: أنا عدوُّكَ وعدوُّ جدِكَ مُريداً النبىَّ. أو يقولَ شيئاً من نحو هذه الألفاظِ البَشِعَةِ الشَّنِيعَة

الشرح: أن من شَتَمَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم أو تَنَقَّصَهُ بأىِّ وجهٍ من أَوْجُهِ الشتم أو التنقيص فهو كافر بالإجماع. قال القاضِى أَبُو يُوسُف رحمه الله: مَنْ شَكَّ فِى كُفْرِهِ وعَذَابِه فهو أيضاً كافر إهـ. يعنى من شك فى كُفْرِ الذى يَسُبُّ النبىّ وأنه يستحقُ العذابَ فى الآخرة فهو أيضاً كافر. ومثلُهُ قال سَحْنُون المالِكِىّ. فإذا كان هذا فِى سَبِّ النبىّ صلى الله عليه وسلم فكيف بالذى يَسُبُّ الله تعالى ؟!!.

وقد عَدَّ كثيرٌ من الفقهاء كالفقيه الحنفىّ بدر الرشيد والقاضى عياضٍ المالكىِّ رحمهما اللهُ أشياءَ كثيرةً. فينبغى الاطِّلاعُ عليها، فإنَّ مَنْ لم يَعْرِفِ الشرَّ يقَعُ فيه

الشرح: أَنَّ القاضِىَ عِياضاً عاش فِى القرن الخامس الهجرىّ، وهو من أشهرِ فقهاء المالكية، وقد ذَكَرَ فِى كِتَابِهِ الشِفَا ألفاظاً عَديدةً تُخْرِجُ من الإسلام للتحذيرِ منها. وكذا فَعَلَ غيرُهُ من فقهاء المذاهب الأربعة. ومنهم فَقِيهٌ حَنَفِىّ كان فى القرن الثامن الهجرىّ يقالُ له بدْرُ الرَّشِيد أَلَّفَ رسالةً أى كتاباً صغيراً خاصاً بتَعْدَادِ الألفاظ الكفرية. وإنما فعلوا ذلك حتى يَحْذَرَ المسلمُ مثلَ هذِه الألفاظ ويتجَنَّبَهَا.

والقاعِدَةُ أَنَّ كُلَّ عَقْدٍ أو فعلٍ أو قولٍ يدلُّ على استخفافٍ بالله أو كتبِه أو رسلِهِ أو ملائكتِهِ أو شعائرِه أو معالمِ دينِه أو أحكامِهِ أو وَعده أو وعيدِه كفرٌ. فليحذرِ الإنسانُ من ذلك جَهْدَهُ على أىّ حال

الشرح: أن كلَّ اعتقادٍ بالقلب أو فعلٍ بالجوارح أو قولٍ باللسان فيه استخفافٌ بالله فهو كفر. وكذا ما فيه استخفافٌ بكُتُبِ الله المُنَزَّلَة، أو بأنبيائِهِ، أو بالملائكة، أو بشعائر الدين ومعالِمِه أى الأشياء التى هى عَلَمٌ على أمور الدين أى التى هى مشهورة من أمور الدين، كالأذَان فإنه يقال له عَلَمٌ أو شَعِيرَة، ومثل الحج والمساجد وعيد الفطر وعيد الأضحى والصلاة، كلُّ هذه من معالم الدين وشعائِرِه فالاستخفاف بها كُفرٌ. وكذلك الاستخفافُ بأحكام الشريعة أو بوعد الله أو بوعيده، كلُّ ذلك كُفر سواءٌ عَقَدَ الإنسانُ على ذلك قلبَهُ أو فَعَلَهُ بجوارحِهِ أو نَطَقَ به بلِسَانِهِ. فليَحْذَرِ الإنسانُ مِنْ ذَلِكَ جَهْدَهُ لأن من مات على الكفر فقد خَسِرَ الدنيا والآخرة، أعاذنا الله من ذلك.

يجبُ على مَنْ وَقَعَت منه رِدَّةٌ العودُ فوراً إلى الإسلامِ بالنطق بالشهادَتَين، والإقلاعِ عمَّا وقعت به الردة

المفصل في شرح حديث من بدل دينه فاقتلوه · الصفحة ٦٥٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في شرح حديث من بدل دينه فاقتلوهص ٦٥٦