الشرح: أن من استهزأ بالله أو بوعد الله أو بوعيد الله فهو كافر، كما لو استهزأ إنسانٌ باسمٍ من أسماء الله مع علمه أن هذا اسم الله عز وجل فإنه يَكْفُر. ومثل ذلك ما لو استهزأ بالجنة. بعضُ الناسِ من خُبْثِهِم يستهزِءُونَ بالجنة يقول بعضهم للآخر "اذهب أنت إلى الجنة، الجنة ماذا فيها؟ أما أنا أريد أن أذهب إلى النار لألقى المغنين وأمثالهم هناك"، يعنى أن الجنة ليست ذات قيمة، وهذا كفر. أما لو كان الشخص لا يَعْرِف أَنَّ الله توعد بوعيدٍ ما أو وَعَدَ بوعدٍ ما فاستهزأ به لا يَكْفُر، كما لو أنَّ شخصاً ما عَرَف أن هناك عقاربَ فى جهنم يَتَعَذَّبُ بها الكفار فسَمِعَ إنساناً يتحدثُ عن هذا الأمر فَظَنَّ أنَّ هذا الأمرَ غيرُ صحيح فاستَخَفَّ بكلامه فإنه لا يَكْفُر لأنَّه ما قصد الاستخفافَ بِوَعِيدِ الله عز وجل.
وكأنْ يقولَ لو أَمَرَنِى اللهُ بكذا لم أفعَلْهُ أو لو صارتِ القبلةُ فى جهةِ كذا ما صليتُ إليها أو لو أعطانِى اللهُ الجنةَ ما دخلتُهَا مستخفاً أو مظهراً للعناد فى الكل
الشرح: أَنَّ الاستخفافَ قَد يكونُ مع اعتقادِ عَدَمِ الحَقِيّة، أما العناد فقد يكونُ مع اعتقادِ الحقيَّة ولكن مع إظهارِ خِلافِ ذلك، فمن قال ألفاظاً مشابهة للألفاظ التى مَثَّلَ بها المؤلف سواءٌ قالَها عناداً أو استخفافاً فهو كافر.
وكأَنْ يقولَ لو ءَاخَذَنِى اللهُ بتركِ الصلاةِ مَعَ مَا أنا فيه مِنَ المَرَضِ ظَلَمَنِى
الشرح: أنه إذا كان إنسان مريضاً مثلاً فَتَرَكَ الصلاةَ فى مَرَضِهِ، فقال له إنسان "لِمَ لا تُصَلّى؟ صَلِّ، الصلاة ما زالت واجبةً عليك." فأجابَه: "لو ءاخذنى الله بتركِى للصلاة مع الحال التى أنا فيها من المرض ظلمنى" يكون كافراً بذلك لأنه أجازَ الظُلْمَ على الله تعالى.
أو قَالَ لِفِعْلٍ حَدَثَ هذا بغيرِ تقديرِ الله
الشرح: أنه إذا قال إنسان عن شىءٍ واحد أنَّه حصل بغير تقدير الله فهو كافر، وهذا شامل للخير وللشر، لأنَّ الخيرَ والشر حُصُولُهُمَا بتقديرِ الله، ولا يُلاَمُ اللهُ تعالى على تقديرِه للشر، وإنما يلامُ العبدُ الذِى يفعَلُ الشرَّ.
أو [إذا قال إنسان] لو شَهِدَ عندِىَ الأنبياءُ أو الملائكةُ أو جميعُ المسملينَ بكذا ما قَبِلْتُهُم
الشرح: أنَّ قائِلَ هذه الكلمة كافر، لأن الذى لا يَقْبَلُ شهادةَ الأنبياء فهو مُخَوِّنٌ لَهُم، وكذا بالنسبة للملائكة، وكذا بالنسبةِ لجميعِ المسلمين. ومن خَوَّنَ الأنبياءَ فهوَ كافر لأنَّه مُكَذِّبٌ للقرءان، وغيرُ مؤمنٍ بالأنبياء. وكذا الذى يُخَوّنُ الملائكةَ أو يُخَوِّنُ كلَّ المسلمين فإنّ من خوَّنَهم كلَّهم يريدُ أن يَنْقُضَ الدّينَ من أساسِهِ، لأنَّ أحكام الدّين إنما وصلتْنَا عن طريق المسلمين. فلو كان خبرُ جميعِهم غيرَ مَقْبُول لَمَا كان ثقةٌ بما نُقِلَ إلينا من الشرع، ولذلك قائل هذه العبارة كافر.
أو قال: لا أفعلُ كذا وإِنْ كان سنةً بقصدِ الاستهزاء
الشرح: أنه إذا قال إنسان لآخر: "لِمَ لا تستعمل السواك؟ السواك سُنَّة" فأجابَه "لا أُريد"، ويقصد أن هذا الأمر شىءٌ مُسْتَقْذَر فإنه يَكْفُر لأنه بذلك يستهزئ بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم . أما إِنْ كان لا يريد الاستخفاف بسنَّةِ الرسول لكنه قال لا أريد ويعنى بذلك أنه الآن لا يستَعْمِلُهُ فإنه لا يَكْفُر.
أو [قال شخص] لو كانَ فلانٌ نبياً ما ءَامَنْتُ به
الشرح: أنَّ قائل هذه العبارة يَكْفُر، لأن كلمَتَهُ تتضمن الاستخفافَ بمنصِبِ النُّبوّة. هذا كأنه يقول: "منصبُ النبوة ليس له شأن عندِى"، فهو كافر.
أو أعطاهُ عالِمٌ فَتْوًى فَقَال: أَيْشٍ هذا الشرع مريداً الاستخفافَ بحكمِ الشرع
الشرح: أنه إذا إنسان أَصْدَرَ فى حَقِهِ حاكمٌ شرعِىّ حكماً شرعياً، أو طَلَبَ مِن مُفْتٍ جواباً على مسألة فأفتَاهُ فيها، فلم يعجبه الحكم أو الفتوى فقال له: أَيْشٍ هذا الشرعُ؟ يعنى بذلك أن حكم الشريعة المحمدية شىءٌ قبيح غيرُ صحيح، فإنه يَكْفُر. أما لو أراد أيْشٍ هذا الذى أنت تزعُمُهُ شرعاً وهو ليس بشرعِ النَّبِىّ فلا يَكْفُر.
أو قال: لَعْنَةُ اللهِ عَلَى كُلِّ عالِمٍ مريداً الاستغراقَ الشامِلَ
الشرح: أنه إذا لَعَنَ إنسان كُلَّ العلماء أى استغرَقَهَم أى شَمِلَهُم جميعاً باللعن فهو كافر، لأن هذا يَتَضَمَّنُ الاستخفافَ بمنصِبِ العلم، أما لو لَعَنَ علماءَ مُعَيَّنِينَ كعلماءِ بلدةٍ معينةٍ لأَنهم غيرُ عاملين بعلمهم فإنه لا يَكْفُرُ عندَ ذلك وإن كان كلامُه لا يَخْلُو مِنَ المعصية.
أو قال: أَنَا بَرِىءٌ مِنَ اللهِ أو مِنَ الملائكَةِ أو مِنَ النَّبِىّ أو مِنَ الشريعةِ أو مِنَ الإِسْلاَمِ
الشرح: أن هذه الألفاظَ من الكفر الصريح فمن قال شيئاً منها فهو كافر.
أو قال: لا أعْرِفُ الحُكْمَ مُسْتَهْزِئَاً بحُكْمِ الله
الشرح: أنه إذا قال إنسان لآخر: "ما هو حكمُ هذه المسئلة فى الشرع؟" فأجابه "لا أدرى"، يريد بذلك أن هذا شىء لا أهميةَ له عندى أى أنا لا أرى منزلةً لأمور الشرع، فإنه يكفر. أما إذا قالَ كلمةَ "لا أدرِى" فى موضِعِهَا فكلامُهُ ممدوح. رسول الله صلى الله عليه وسلم سُئِلَ مَرةً ما هى خير البقاع وما هى شر البقاع؟ فقال: "لا أدرى أسأَلُ جبريل" ثم سألَ جبريلَ فقال: "لا أدرِى أسألُ ربَّ العِزَّة"، ثم أوحى الله للنبىِّ صلى الله عليه وسلم أنّ خيرَ البقاع المساجد وأنَّ شرَّ البقاع الأسواق. رواه ابن حبّان.