تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الشرح: أن العبد قد يقعُ فِى الكفر بكلمةٍ واحدةٍ يَنْطِقُ بِهَا، والدليلُ على ذلك حديثُ رسول الله صلى الله عليه وسلم : "إنَّ العبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بالكلمةِ لا يَرَى بها بَأْساً يَهْوِى بِهَا فِى النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا". وهذا الحديثُ رواه الإمامُ الترمذىُّ فى جامِعِهِ وقَوَّاه، وبمعناه روايةٌ أخرى رواها البخارى ومسلم: "إن العبدَ لَيتكلمُ بالكلمة ما يَتَبَيَّنُ فِيها -أى لا يرى بها بأساً- يَهوِى بها فى النار أَبْعَدَ مما بَينَ المشرقِ والمغرب". وكِلاَ الحديثين يدُلُّ على أن الشخصَ يَقَعُ فى الكفر بمجرد النطق باللفظ الكفرىّ، ولو كان لا يعتقدُ معنى ذلك الكلام فى قلبه ، بل مُجَرَّدُ أَن يَقُولَهَا بإرادَتِهِ يكون كفراً ولو كان لا يعتقدُ المعنى، كَمَن يَسُبُّ الله تعالى فإنه لا يُشترط لوقوعه فى الكفر اعتقادُ هذا المعنى الكفرىّ، ولا يُشترط أن ينشَرِحَ صدرُهُ للكفر. رجلٌ يقال له سيد سابق ذَكَرَ فى كتاب له اسمه (فقه السُّنَّة) أَنَّ الإنسان إذا نَطَقَ بالكلمةِ الكفرية لا يكفر إلا إذا كان يعتقدُ معنى اللفظ وانشرحَ صدرُهُ لهذا الكفر. كلام هذا الرجل ضِدُّ حديثِ رسولِ الله الذى ذكرناه وضِدُّ القرءان أيضاً، لأنَّ الله بَيَّنَ لنا فى القرءان أن الذى يُشتَرَطُ فى حقه انشراحُ الصدر حتى يُحكَمَ عليه بالكفر هو فقط المُكْرَهُ بالقَتْلِ ونحوِه على النطق بكلمة الكفر. فَكَّذَّب هذا الرجلُ كتابَ الله وجعل غَيْرَ المُكْرَه مِثْلَ المُكْرَه سواءً. وأمرُه عجيب لأن الإنسانَ الذى يقتُلُ شخصاً بغير حق لا يسألُهُ القاضى هل كنتَ منشرحَ الصدر لما قتلتَه أم لا ليحكُم عليه بالحكم المناسب. وكذلك الذى يسرق لا يسألُه القاضى حتى يُصدِرَ عليه الحكمَ هل كنتَ منشرحَ الصدر لما سرقتَ أم لا؛ فإذا كان الأمرُ كذلك فى القتل والسرقة اللذَينِ هما أخفُ بكثير من ذنب الكفر، فكيف بالنسبة للكفر؟!!.

وكذلك لا يُشترَطُ فى الوقوعِ فى الكفرِ عَدَمُ الغَضَبِ كما أشارَ إلى ذلك النووى، قال: "لو غَضِبَ رجلٌ على ولدِه أو غلامِه فضربَه ضرباً شديداً فقال له رجلٌ: أَلَستَ مسلماً فقال:لا، متعمداً كفر". وقالَه غيرُه من حنفيةٍ وغيرِهم

الشرح: أنه لا يشترط ليُحكَم على شخصٍ بالكفر أن يكون نطق بالكفر فى حال الرِضَى أى فى غيرِ حال الغضب. يَعنِى أنَّ مَنْ نَطَقَ بكلمةِ الكفر فى حال الرضى أو فى حال الغضب فهو كافر إلا إذا كان غَضَباً شديداً جداً بحيثُ غاب عقلُه بسَبَبِهِ فما عاد يَعِى ماذا يقول، فَقَدَ التمييز، فعند ذلك لا يكتب عليه اللفظ الكفرىّ. أما فى غير ذلك من أحوال الغضب فإنه يُكتب عليه مهما بلغ به الغضب طالما هو يَتَكلَّمُ بإرادته. بعضُ الناس يقولون: "إذا كان الشخصُ غاضباً فتكلم بكلمةِ الكفر لا تُكتب عليه"، فقولهم هذا ضلال لأن اللهَ ما استثنى هذه الحال فى القرءان والنبِىَّ صلى الله عليه وسلم ما استثناها فى الحديث. فهؤلاء الذين يستثنون حالَ الغضب يستدركون على الله وعلى الرسول فيَكْفُرُونَ بذلك. وقد أشار الإمامُ النووىُّ وغيرُه إلى هذه المسئلة، فقال: لو أن إنساناً غضِبَ على ولدِهِ أو غلامِهِ أى عبدِه فبسبب الغضب ضربه ضرباً شديداً فمرَّ به رجل فرءاه يضرِبُهُ هذا الضربَ الشديد فقال له: ألست بمسلم؟! كيف تضربُه هذا الضرب؟! فأجابه بقوله: لا-يعنى لست مسلماً-متعمداً أى بإرادته، قال النووى: يكفر ولو كان غاضباً.

والردةُ ثلاثةُ أقسامٍ كما قسَّمها النووىُّ وغيرُه من شافعيةٍ وحنفيةٍ وغيرِهِم: اعتقاداتٌ وأفعالٌ وأقوالٌ، وكلٌّ يتشعّبُ شُعَبًا كثيرةً

الشرح: أن الردةَ تنقسم إلى ثلاثة أقسام، اعتقاداتٌ بالقلب؛ وأفعالٌ بالجوارح؛ وأقوالٌ باللسان. علماءُ المذاهب الأربعة قَسَّموا الردةَ إلى هذا التقسيم، مثلُ النووىّ فى كتابه المنهاج، وابنِ الوَرْدِىّ فِى الحَاوِى، وغيرِهِمَا من علماء المذاهبِ الأربعة. وكلُّ قسمٍ من هذه الأقسام الثلاثة يُخرِجُ صاحبَهُ من الإسلام من غير اشتراطِ أن يجتمعَ معَهُ قسمٌ ءاخر.

فَمِنَ الأولِ: الشَّكُّ فِى الله

الشرح: أنَّ مَنْ شك فى الله أى ما عاد عندَه اليقينُ الجازم فى وجودِ الله عز وجل ولو لمدة قصيرة فإنه يكفر بذلك.

أو فى رسولهِ أو القرءانِ أو اليومِ الآخرِ أو الجنةِ أو النارِ أو الثوابِ أو العقابِ

الشرح: أن من شك أيضاً فى حقِيَّة نبوة سيدنا محمد فهو كافر. أو شك فى حقِيّة القرءان، أو فى اليوم الآخر أى شَكَّ هل يكون أم لا يكون، أو شك فى الجنة أو النار أى شَكَّ هل يُثابُ الطائعون بالجنة أم لا وهل يعاقب الكفار فى النار أم لا، فإنه يكفر أيضاً.

والذى يُخرِجُ الشخصَ من الإسلام هو الشَّكُّ، وليس مجردَ الخاطر الذى يَخطُرُ له وقلبُهُ جازمٌ بالحق. فإنَّ هذا لا يُؤَثِّرُ على إيمانه. يعنى إذا خطرَ لإنسان خاطر يُنافِى العقيدةَ الصحيحة لكن هذا ما أورَثَه شَكًّا، بل كَرِهَ هذا الخاطرَ وطردَه، فإنه فى هذه الحال لا يكفر، بل له ثوابٌ فى كراهِيَتِه لهذا الخاطر.

أو نحوِ ذلك مما هوَ مُجْمَعٌ عليه

الشرح: أنه إذا كان هناك أمر أجمَعَ المسلمون عليه أى أنّ العالم والجاهل من بينهم يعرفُ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء به ثم شكَّ الشخص هل يكون أم لا يكون مع معرفته بأن الرسول أخبر أنه يكون فإنه يكفر بذلك. مِثلُ وَزْنِ الأعمال فى الآخرة، فإن الجاهلَ والعالم من المسلمين يعرفُ أن رسول الله أخبر أن هذا يكون، فمن شك فى ذلك فهو كافر، إلا أنْ يكونَ مثلَ حديث عَهْدٍ بإسلام ما عرفَ أنَّ الرسول صلّى اللهُ عليهِ وَ سَلَّم أخبرَ عنهُ من قَبلُ، فإنه لا يكفر عندئذٍ.

أو اعتقادُ قِدَمِ العالَمِ وأزلِيَّتِهِ بجنسه وتركيبه أو بجنسه فقط

المفصل في شرح حديث من بدل دينه فاقتلوه · الصفحة ٦٥٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في شرح حديث من بدل دينه فاقتلوهص ٦٥٢