تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أيها المسلمون: ماذا تعني الردة عن الإسلام في عرف أهل العلم؟ إنها إبدال دين الإسلام وعقيدته، لإحلال غيرها مكانها، أو هي إنكار شيء مما جاء به رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وثبت بالضرورة من دين الإسلام، أو هي الإيمان ببعض الكتاب والكفر ببعض، وكان المرتد في الصدر الأول من الإسلام رجلاً منبوذاً ممقوتاً، لا يخفى على الناس أمره، ولا يكون ارتداده في غالب الأحوال سراً من الأسرار.

وقد ظن كثير من الناس أن ظاهرة الردة قد وئدت إلى غير رجعة، بوأد أبي بكر لها، ولكن الأمر على العكس من ذلك. فإن الردة عن الإسلام قد تطفؤ نارها تارة، وتضرم تارة أخرى، وقد تكون كالحرباء، تتلون وتتغير بألوان تواكب العصر والحضارة. وقد برز في هذا العصر لون متميز من ألوان الردة، ولباس جديد من ألبستها، فقد اكتسح جزءاً كبيراً من أجزاء العالم الإسلامي، وغزت هذه الظاهرة عدداً كبيراً من الأسر والبيوتات، إنها ردة..ولكنها لم تلفت المسلمين، ولم تشغل خاطرهم، لأن صاحبها لا يدخل كنيسة، ولا يتعبد في بيعة، هذه الردة هي ما يسمى بالحرية الشخصية، التي يدعي أرباب الفكر المادي الملحد أنهم ربحوها من وراء التحرر من الدين، والتلبس بلباس العلمانية، وهذه الحرية هي العب من الشهوات بلا حساب، والانطلاق وراء الرغبات الحسية بال حياء، والتحلل من عرى الفضائل والأخلاق والقيم العليا، بل والتحلل من الدين بالكلية، وتنحية شرع الله عن واقع الحياة، وهذه الحرية المزعومة، ليست كسباً يسعى إليه، ولا غنماً يحرص عليه، إنما هي لا غير خسارة جسيمة على البشرية جمعاء، وهزيمة منكرة للمعاني الإسلامية، التي بها صار المسلم مسلماً (أفغير دين الله يبغون وله أسلم من في السموات والأرض طوعاً وكرهاً وإليه يرجعون) " سورة آل عمران، الآية : 83 ".

إن القيود التي يفرضها الإسلام على المسلم، لا يريد بها عذابه، ولا حرمانه، إنما يريد بها أن يرتفع به من الحيوانية الهابطة، إلى الإنسانية الصاعدة، وبذلك ينتصر المسلم على الدعوى التحررية، ويتغلب الإيمان والتقوى، على الشهوة البهيمية السبعية، وكل مجتمع يخرج على هذه القيود، أو يهون من شأنها، فإنه يعرض نفسه للخطر، ويقرب بها من حافة الهاوية (ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون) " سورة البقرة، الآية : 229 ".

أيها المسلمون: إن هذه الظاهرة تعد من أخبث وأخطر الظواهر التي تواجه المسلمين في عصرهم الحاضر، حيث يراد لهذه الظاهرة أن تمحو شريعة الله من الأرض وتقصيها من واقع حياة المسلمين، وتشتت ولاءهم الموحد إلى ولاءات جاهلية متعددة ودعاة هذه الظاهرة مازال مكرهم مشتهراً، ودعوتهم تسري سريان النار في يابس الحطب، والناس مشغولون بالجدل والنقاش، حول ما يثيرونه، ويتوهمون أنها مشكلات حقيقية لابد لها من حلول. وما علم أولئك الناس أن دعاة تلك الظاهرة قد رأوا الناس يدخلون في دين الله أفواجاً، وخافوا بذلك أن تفوتهم حظوظ من الدنيا، فتقدموا حاقدين ضامرين الغدر، ناسين أن الله سميع بصير، وأنه سيحفظ لهذه الأمة دينها، وسيهلك عدوها (فالله خير حفظا وهو أرحم الراحمين) " سورة يوسف، الآية : 64 ".

إن أهل الكفر الذين يغذون تلك الظاهرة قد يتسامحون بشيء من الإسلام، ولكن بالإسلام الذي لا يكافح الاستعمار، وليس هو الإسلام الذي يقاوم الطغيان، لأن الإسلام حين يحكم سينشئ الشعوب نشأة أخرى، وسيعلم الشعوب أن إعداد القوة فريضة، وأن الكفر والاستعمار وباء، فكلاهما عدو وكلاهما اعتداء. إنهم يجوزون أن يستفتى الإسلام في منع الحمل، ويجوزون أن يستفتى في نواقض الوضوء، ولكنهم لا يجوزون أن يستفتى أبد، في أوضاع المسلمين، دينيةً كانت أو اجتماعيةً أو اقتصادية، ولا يستفتى أبداً في قتل الأنفس البريئة، وتشريد المجتمعات المسلمة في فلسطين، وفي البوسنة والهرسك، وفي كشمير والصومال وغيرها من بلاد المسلمين، سبحانك يا رب، رحماك يا رب، أيها المسلمون : ما هذه العنجهية التي يريدون؟ ما هذا الكبت الذي ينشدون؟.

إن هذه الدعوات المنطلقة عبر الأثير، والتي يتلاطم غبارها ذات اليمين وذات الشمال، والتي تريد أن تسقط أجنة المسلمين، أو أن تئدها في مهدها، إنها تريد للإسلام والمسلمين أن يعيشوا في نطاق ضيق خسيس، لا يعرف المسلمون فيه من الإسلام غير اسمه.

إن هذه الدعوة الماكرة، تريد أن تصل إلى قلوب المسلمين عبر طرق معقدة ملتوية، من أشهرها، الهجوم الشرس على العقيدة الإسلامية، ورميها بأحد ما وضعوا من عبارات مسفة، كقولهم، إن الشريعة الإسلامية شريعة بربرية كشريعة الغاب، تشوه يد السارق، وترتكب جريمة فظيعة برجم الزاني المحصن وقتل الكافر المرتد، فللفرد أن يدين بما شاء، وأن يتبادل الحب والغرام مع من شاء.

ومنها : إضفاء صبغة البهرجة الكاذبة، والدعاية الرائجة لتلك العلمنة الهدامة، ووصفها بأنها علامة التقدم ومسايرة روح العصر، الذي سيطرت عليه المعارف، وهي حركة لا تقيد الإنسان بدين، بل يأخذ ما يريد، ويدع ما لا يريد.

ويا للأسف الشديد، فقد وقع كثير من المسلمين فريسةً لهذا الغزو الماحق الماكر، وتعلق كثير منهم بتلك البهرجة، وذلك الخواء الروحي. وبعد هذا فلكل مسلم أن يتساءل : لماذا انتشرت هذه الظاهرة بين المسلمين؟ ولماذا استطاعت أن تغزوهم في عقر دارهم؟ وكيف استطاعت أن تسيطر على العقول والنفوس؟ وما هو الطريق المنجي من تلك الهلكة؟

المفصل في شرح حديث من بدل دينه فاقتلوه · الصفحة ٥٨٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في شرح حديث من بدل دينه فاقتلوهص ٥٨٨