فالجواب على ذلك كله هو أن العالم الإسلامي قد ضعف ضعفاً شديداً، في العقيدة والعلم والدعوة، وبدا عليه الإعياء والشيخوخة. والإسلام لا يعرف الشيخوخة ولا الهرم، إنه جديد كالشمس، وقديم كالشمس، وشاب كالشمس، ولكن المسلمين هم الذين شاخوا، وهم الذين هرموا، فلا سعة في العلم ولا حماسة في الدعوة، ولا عرضاً جميلاً مؤثراً للإسلام ورسالته إلا النادر القليل. ونظراً لما أصاب كثيراً من المسلمين، من انحراف وغش في أذهانهم، فإن من الضروري أن يقوم المسلمون بتجلية تلك التصورات، وكشف هذه الشبهات، وفضح حقيقة اللادينية المزعومة، ومن أنجح الأساليب في ذلك، أن يدرس المسلمون خططهم وأساليبهم في الكيد والدس، عند ذلك ينكشف الستر عن الذين يستمدون قوتهم من العمل في الظلام، ويجدون أنفسهم وقد غمرتهم الأضواء، وكشفت أوكارهم وسراديبهم، وبذلك يكون فشلهم ساحقاً ماحقاً، بعد افتضاح أمرهم، لأنهم يسبحون ضد تيار قوي غلاب، يرعاه الله بقدرته، ويمده بمدده الذي لا ينفذ، وجنوده التي لا يعلمها إلا هو، ذلك هو تيار الإسلام.
وإذا كان الإيمان بالله والكفر بالطاغوت هو معنى " لا إله إلا الله ". والطاغوت، هو كل ما تجاوز به العبد حده، من معبود أو متبوع أو مطاع، فطاغوت كل قوم من يتحاكمون إليه من دون الله ورسوله، أو يعبدونه من دون الله، أو يتبعونه على غير بصيرة من الله، أو يطيعونه فيما لا يعلمون أنه طاعة لله، وانطلاقاً من هذا المفهوم نستطيع أن نرى حكم الإسلام في تلك الظاهرة، التي تعني بداهة الحم بغير ما أنزل الله وتحكيم غير شريعة الله، فهذا معنى قيام الحياة على غير الدين، ومن ثم فهو أمر جاهلي، لا مكان له في الإسلام (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكفرون) " سورة المائدة، الآية : 44 ".
أيها المسلمون : إن الفتنة الكبرى التي ابتلى بها المسلمون في هذا العصر من محاولات الكفر في إبعاد شرع الله عن حكمه في الأرض لم تنجح ولن تنجح، بإذن الله، في القضاء على المسلمين، ولكن إحياء الأمة الإسلامية من سباتها العميق، والرفع بها إلى مكانها الطبيعي في مقدمة الركب، لتقود البشرية مرة أخرى بأمر من الله، لن يتحقق من خلال جهود أفراد قليلة، أو تجمعات صغيرة، إن الأمر أجل من هذا، والخطر أشد وأدهى.
والإسلام يحتاج إلى أولياء، وهم أولياؤه الذين يعملون له وحده ويواجهون به الكفر والإلحاد.
أولياءه الذين يعرفون أن الإسلام يجب أن يحكم، كي يؤتي ثماره كاملة. أولياؤه الذين لا تخدعهم دغدغة صهيونية، ولا تغريهم ابتسامة صليبية.
إن أهل الإسلام ينبغي ألا يطلبوا باسمه صدقةً ولا نفقة، ولكن يطلبون باسمه عدالةً إسلامية، وشريعةً ربانية، ولا يجعلون من الإسلام أداةً لخدمة الأهواء والأدواء، ولكن يريدون به عدلاً وعزةً وكرامة.
وبذلك كله يأخذ المد الإسلامي طريقه سريعاً، أسرع مما يظن الكثيرون، إنهم يرونه بعيداً، والله يراه قريباً.
(وعد الله الذين ءامنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمناً يعبدونني لا يشركون بي شيئاً ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون) " سورة النور، الآية : 55 ". بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم.
أقول قولي هذا واستغفروا الله لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية:
الحمد لله رب الأرباب، وهادي العباد، وأشهد ألا إله إلا الله، وحده لا شريك له ولا شبيه ولا أنداد، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بعثه الله رحمة للعباد اللهم صل وسلم عليه وعلى آله وصحبه.
أما بعد:
فيا عباد الله: إن أحسن الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد - صلى الله عليه وسلم -، وشر الأمور ما أحدث على غير هدىً من الله، أو سنة سنها محمد بن عبد الله - صلى الله عليه وسلم -، ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله. وعليكم عباد الله بما كان عليه الصدر الأول، ففي هديهم الرشاد، وفي نهجهم الفلاح والسداد.
وليس في اتباع طريقتهم تأخر ولا رجعية، ومن حاد عن مسلكهم تقاذفته الشبه والأهواء، وارتطم بالفتن وانزلق في المهاوي.
هذا وصلوا على النبي، صاحب الحوض والشفاعة، قال - تعالى -: (يا أيها الذين ءامنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً) " سورة الأحزاب، الآية : 56 ".
اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وصحبه، وارض اللهم عن البررة الأتقياء، أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن جميع الصحابة والتابعين لهم بإحسان. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، واحم حوزة الدين، واجعل هذا البلد آمناً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين يا رب العالمين.
اللهم آمنا في أوطاننا وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين.
اللهم وفق ولي أمرنا لما تحبه وترضاه من الأقوال والأعمال يا حي يا قيوم، اللهم أصلح له بطانته يا ذا الجلال والإكرام.
اللهم أبلغ هذا الدين ما بلغ الليل والنهار، ولا تدع بيت مدر ولا وبر إلا أدخلته هذا الدين بعز عزيز أو بذل ذليل، عزاً تعز به الإسلام، وذلاً تزل به الكفر، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.
عباد الله: إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون، ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.
http://www.albder.com المصدر:
=============
حد الردة هو السياج المنيع والحصن الحصين لحماية هذا الدين والحفاظ على المسلمين ( 1 )
تمهيد: