تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والثابت عند أهل العلم أنه لا يجوز للمسلمين ردّ المرأة التي جاءت إليهم مسلمة، غير أنه يجب على الدولة المسلمة أن ترد إلى زوجها غير المسلم الذي بقي على دينه ما دفعه لها من المهر وما في حكمه من بيت مال المسلمين، أو تلزم بهذا الرد من يتزوجها من أهل الإسلام، لئلا يضار الزوج من أهل الدين الآخر في ماله لسبب لا شأن له به ولا ويد له فيه.

وذلك امتثالا لقوله - تعالى - في سورة الممتحنة: «يأيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن وآتوهم ما أنفقوا... » إلخ الآية العاشرة من السورة. والمقصود بالامتحان هنا أن يتأكد أن سبب إسلام المرأة هو رغبتها في الدين.

وعليه فإنه لو كانت الفتاتان قد أكرهتا على العودة للمسيحية وترك الإسلام بعدما دخلتا فيه ولو بقلبيهما فإنهما تكونان مؤمنتين، وأمر عقيدتها بينهما وبين ربهما، وهو أعلم بهما من خلقه أجمعين وأرحم بهما من خلقه أجمعين، ويبقى إثمهما على من أكرههما، وعلى من مكنوا المكرهين منهما بعدما أعلنتا أنهما مسلمتين.

10/2/1426

http://www.almoslim.net المصدر:

==============

الردة في ثوبها الجديد

الخطبة الأولى:

الحمد الله هادي العباد، الرقيب على خلقه، يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، أحمده - سبحانه - حمد عبد خافه ورجاه، وأشكره، والشكر واجب على العبد لمولاه، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولا ند له في جلاله وكماله وعلاه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صفوة الخلق، وأفضل الهداة إلى صراط الله، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه ومن سار على طريقه واتبع هداه.

أما بعد:

فيا عباد الله: قرة عين المؤمن وطمأنينة قلبه، تبدو واضحةً في تقواه لربه، فإن تقوى الله هي أساس كل صلاح، وسلوان كل كفاح.

أيها المسلمون: في يوم مليء بالحزن والأسى يعلوه الصمت الرهيب، وتغمر الوجوه فيه دموع شفافة، وتخترق جدران صمته همسة رقيقة أسيفه، في يوم وقف المسلمون فيه بخشوع، والدنيا من حولهم هاجعة صامتة، تواجه الأمة فيه خطباً جليلاً، زعزع المسلمين وأذهلهم، أو كاد يطير بألبابهم، وذلك الموقف المثيب لم يقطعه سوى صهيل فرس جاءت تركض، بعد أن خلعت رسنها وقطعت شوارع المدينة، وثباً وراء جثمان صاحبها، يقودها عبيره وأريجه.

وكم كانت المواقف عظيمة، والآثار المضنية جسيمة، كل ذلك كان حزناً وأسى على فراق خير البرية، وأزكى البشرية جمعاء، إنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثوى في مرقده، وفاضت روحه بأبي هو وأمي، ومات فوق الأرض التي طهرها من وساوس الوثنية، وأزاح من طريقها كل قوى التقهقر والشرك.

لقد لحق المصطفى - صلى الله عليه وسلم - بالرفيق الأعلى، ليحمل أصحابه من بعده مسئولية الدعوة، ولم يكن الأمر حينها جرعة ماء، ولا اقتسام غنيمة. لا وربي. ومع ذلك لم تمض إلا ليلة واحدة، بل لم تمض إلا ساعات قليلة، والدموع في المآقي، والغصة في الحلوق، ولكن المهمة عظيمة، والمسئولية جسيمة، وأمر المسلمين لا ينبغي أن يترك لهجمات الرياح، ونزعات العواطف، لم تمض تلك الليلة إلا وقد بويع فيها لأبي بكر الصديق - رضي الله عنه - خليفةً للمسلمين.

بعد ذلك عظم الخطب، واشتدت الحال، ونجم النفاق بالمدينة، واشرأبت اليهودية والنصرانية وصار المسلمون كالغنم المطيرة في الليلة الشاتية، وارتد من ارتد من أحياء العرب حول المدينة، وامتنع آخرون من دفع الزكاة ولم يبق للجمعة مقام في بلد سوى مكة والمدينة.

عند ذلك، وقف المسلمون الصادقون وقفةً إيمانيةً ظاهرة، وصفوا صفاً إسلامياً متراصاً، فلم يخافوا تلك الجموع المرتدة، ولم ترهبهم تلك القوى المتألبة. لماذا؟ لأنهم صدقوا الله البيعة وأحسنوا الإسلام، لقد كانت الردة خطراً عظيماً، هدد مكة والمدينة، ومجتمع المسلمين كله، بل قام المنافقون يودون أن تنقض عرى الإسلام من جديد، عروةً عروة.

عند ذلك، أشار بعض المسلمين على الخليفة أن يتركهم وما هم عليه، ويتألفهم حتى يتمكن الإيمان في قلوبهم، ولكن الصديق - رضي الله عنه - صاحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان قد فهم الإسلام قولاً وعملاً، وعلم أنه منهج رباني متكامل، وأن الأمر لم يكن بهذه الصورة التي عرضها عليه أصحابه، وأن القضية لم تكن بتلك الموازين، بل إن الأمر أعظم من ذلك، فلم يتمالك الصديق - رضي الله عنه - حينها، إلا أن يرفع عقيرته قائلاً " لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة ".

أيها المسلمون: إن أمر الصلاة والزكاة، والحج والصيام والجهاد، وغيرها من شعائر الإسلام وتشريعاته، ليس في حقيقته إلا أنه إخلاص لعبودية لله وحده، أو أنه اتخاذ شركاء معه، فالإنسان إما أن يكون مسلماً أو لا يكون (إن الدين عند الله الإسلام) " سورة آل عمران، الآية : 19 ". أما حينما يأخذ الرجل من الإسلام ما يستهويه، ولا يتناقض مع مصالحه وشهواته ومطامعه، ثم يأخذ من الجاهلية ما يستهويه أيضاً، فذلك الضلال والشرك معاً.

إن انتقاص منهج الله في شعيرة، أو أمر من الأمور التي شرعها الله، يعني الاعتقاد بأنه منهج ناقص قاصر، - تعالى -الله عن ذلك علواً كبيراً، والدين الإسلامي منهج متكامل يقوم أساساً على قاعدة الإيمان بالله وحده، وأن محمداً رسول من عنده، إيماناً واضحاً يكون من مقتضاه الاستسلام لله - سبحانه -، ونزع كل عبودية لغير الله في كل شؤون الحياة العامة والخاصة، لهذا كان موقف الصديق واضحاً، مما جعل المسلمين يطمئنون إلى هذا الموقف، وينتبهون إلى حقيقة غابت عنهم قليلاً في غمرة الأحداث المفجعة.

المفصل في شرح حديث من بدل دينه فاقتلوه · الصفحة ٥٨٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في شرح حديث من بدل دينه فاقتلوهص ٥٨٧