تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

عباد الله: للردة أسباب، ولعلي أن أشير إلى بعضها: من أسباب الردة: الذكاء والعقل والاعتداد بالرأي والاعتداد بالنفس والثقة المطلقة بها: لا شك بأن العقل نعمة من الله جل وتعالى على العبد، لكن ينبغي أن يعلم العبد بأن للعقل حدوداً، وهناك قضايا ينبغي للعبد أن لا يخوضها بعقله وإلاّ هلك مثل قضايا الغيب ونحوها، فهناك من العباد من أعطاهم المولى عقولاً غير عادية، لكن هذا العقل كان سبباً في ردتهم قال عنهم شيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله: "أوتوا ذكاءً ولم يؤتوا زكاءً". من هؤلاء عدد ذكرهم الذهبي في تاريخه كالسهروردي الذي كان يتوقد ذكاءً وكان بارعاً في أصول الفقه قال عنه الذهبي: مفرط الذكاء لم يناظر أحداً إلا أربى عليه إلا أنه قليل الدين. فهذا الرجل مع ما أعطاه الله من الذكاء إلا أن علماء وقته أفتوا بقتله، لأن عقله أدخله في التعطيل والانحلال، فقتل بسبب عقله وذكائه، ومات مرتداً والعياذ بالله(1)[1]. ومنهم أيضاً الحلاج الذي اشتهر بالذكاء لكنه تزندق، وأفتى العلماء بقتله ردة وقتل، نسأل الله العفو والعافية(2)[2].

قال الإمام عبدالعزيز بن باز رحمه الله: من قال إنه يؤمن بعقله فقط دون الشرع فإنه يبين له أن هذا كفر، فإن أصر على مقالته فهو كافر مرتد عن الإسلام، يستتاب من جهة ولاة الأمر فإن تاب وإلاّ قتل مرتداً(3)[3].

ومن أسباب الردة: الشهوات: سواء كانت شهوة الفرج أو شهوة المنصب ولكل ضحايا سقطوا فيها، وقد جمع بين الأمرين أحد أبناء الملك السلطان المعز التركماني حاكم مصر في القرن السادس الهجري و كان ديناً عاقلاً لكن أحد أولاده تعلق قلبه بامرأة نصرانية فتزوجها وأنجبت له أولاد تأثروا بأمهم فعاشوا على النصرانية ثم تنصر هو في النهاية وسمى نفسه ميخائيل، قال الذهبي رحمه الله في السير في ترجمته (4)[4]: نعوذ بالله من الشقاء فهذا بعد سلطنة مصر كفر وتعثر. وممن ترك الحق من غير ردة بسبب شهوة الملك والسطان هرقل وقصته معروفة مشهورة ذكرها البخاري في صحيحه من حديث ابن عباس حيث ذكر اللقاء التي تم بين سفيان بن حرب وهرقل حيث سأل هرقل عن بعض الأمور المتعلقة بالنبي صلى الله عليه وسلم، عن نسبه وهل أتباعه يزيدون أم ينقصون وهل يتهم بينكم بالكذب وهل يغدر ثم سأله بماذا يأمركم فقال يَأْمُرُنَا بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصِّدْقِ وَالْعَفَافِ وَالصِّلَةِ فقال هرقل في آخر كلامه: فَإِنْ كَانَ مَا تَقُولُ حَقًّا فَسَيَمْلِكُ مَوْضِعَ قَدَمَيَّ هَاتَيْنِ وَقَدْ كُنْتُ أَعْلَمُ أَنَّهُ خَارِجٌ لَمْ أَكُنْ أَظُنُّ أَنَّهُ مِنْكُمْ، فَلَوْ أَنِّي أَعْلَمُ أَنِّي أَخْلُصُ إِلَيْهِ لَتَجَشَّمْتُ لِقَاءَهُ وَلَوْ كُنْتُ عِنْدَهُ لَغَسَلْتُ عَنْ قَدَمِهِ. فهرقل كان يعلم صدق النبي صلى الله عليه وسلم فماذا الذي جعله لا يتجشم الصعاب حتى يخلص إليه؟ ولماذا لم يسلم؟ إنها شهوة الملك. لأنه يعلم أنه بمجرد إسلامه سيفقد الحكم والسلطان.

ومن أسباب الردة أيضاً: الفقر: فقد يكفر الانسان بسبب الفقر، والذي لم يجرب الفقر لا يمكن له أن يتصور الأمر، نسأل الله تعالى أن لا يرينا ذلك. وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يتعوذ بالله من الفقر. فنعوذ بالله من الفقر.

نفعني الله وإياكم بهدي كتابه واتباع سنة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.

أقول هذه القول وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنب وخطيئة فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

-------------------------

الخطبة الثانية

أما بعد:

ومن أسباب الردة أيضاً: تبني الشخص لبعض الأفكار، وقد تكون البداية عبارة عن قراءات واطلاعات ثم يبدأ بالإقتناع بهذه الأفكار ثم يعتنقها ويعتقدها بديلاً عن الإسلام ثم يبدأ بالدفاع عنها وترويجها وربما الكتابة والتأليف، ولو تتبعنا أغلب من اقتنع بمبادئ العلمانية أو الحداثة فإنهم بهذا الشكل، مطالعات وقراءات حتى تصل إلى حد القناعة والإقتناع ثم تصبح العلمانية أو الحداثة هو الدين الجديد الذي يعتنقه بديلاً عن الإسلام، ومثلهم من اقتنع بمبائ الشيوعية والماركسية وصاروا يعتقدون أنها أفضل من مبادئ الإسلام. وتأسف كثيراً عندما تطالع على صفحات المجلات والجرائد كتابات من هذا النوع تطرح الفكر العلماني وتنادي بالحداثة وتهاجم أصول الدين بأنها من الموروثات القديمة البالية والتي يجب أن تستبدل بما عند الغرب، ويزداد أسفك عندما تجد من هو غارق في الشيوعية الحمراء إلى أذنيه بل ويتنقص الذات الإلهية والعياذ بالله، ثم تجد هناك من يمدحه ويثني عليه ويتأسف على فقده ولعل من أقرب الأمثلة القريبة على ذلك ذلك الشاعر الهالك المدعو بالبياتي والذي هلك قريباً والحمد لله، ومع كل أسف بعض جرائدنا ومنذ أكثر من أسبوع وما زالت تكتب المقالات في مدحه والثناء عليه والأسف على فقده. إسمع لبعض ما يقول البياتي: يقول في ديوانه - كلمات لا تموت - وهو يمجّد الشيوعية فيقول: ولم يزل، لينين، في صوته الأخضر، إنساناً من الشعب، ولم تزل، موسكو، على عهدها، منارة للسلم والحب. انتهى.

فنسأل الله أن يحشرك مع لينين وأن يبعثك على حب موسكو.

ويقول ونعوذ بالله من هذا الكلام في ديوانه السابق - كلمات لا تموت - في قصيدة عنون لها بأقوال، يقول:

يا رفيقة الليال، الله في مدينتي يبيعه اليهود، الله في مدينتي مشرد طريد، أراده الغزاة أن يكون، لهم أجيراً، شاعراً، قواد، يخدع في قيثارة المذّهب العباد، لكنه أصيب بالجنون، لأنه أراد أن يصون، زنابق الحقول من جرادهم، الله في مدينتي يباع بالمزاد، دعارة الفكر، هنا رائجة، ودعارة الأجساد. انتهى.

المفصل في شرح حديث من بدل دينه فاقتلوه · الصفحة ٥٨٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في شرح حديث من بدل دينه فاقتلوهص ٥٨٢