وهذه الآية تدل على أن استمرار اليقين في القلب الذي هو ضد الشك والريب، وكذلك الجهاد في سبيل الله بالمال والنفس من الإيمان، وانتفاء ذلك يدل على انتفاء الإيمان الواجب.
والتصديق الذي لا يخالطه شك من الإيمان، وهو من أعمال القلب، والجهاد من الإيمان وهو من أعمال الجوارح.
وقال تعالى: ((وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (143))) [البقرة]
وقد ورد في سبب نزول هذه الآية ما يدل على أن المراد بالإيمان هنا الصلاة، لأنها نزلت في قوم ماتوا وهم يصلون إلى بيت المقدس – قبل الأمر بالتوجه إلى الكعبة – فتساءل ناس عنهم، أي عن حكم صلاتهم التي لم يتوجهوا بها إلى بيت الله الحرام؟ فنزلت الآية تطمئن المتسائلين على أنهم مثابون على صلواتهم كما يثاب غيرهم ممن أدرك القبلة الجديدة.
وهذا يدل على أن الصلاة - بكل ما فيها من قراءة وذكر وقيام وقعود وخشوع – من الإيمان.
ومن الآيات السابقة – وغيرها كثير – يظهر أن الشارع يطلق لفظ الإيمان على التصديق الجازم بالقلب كما في قوله تعالى: ((إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا)) وعلى أعمال القلب غير التصديق كما في قوله تعالى: ((إنما المؤمنون الذي إذا ذكر الله وجلت قلوبهم … وعلى ربهم يتوكلون)) ويطلق على أعمال الجوارح، كقوله تعالى: ((إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذكروا بها خروا سجدا وسبحوا بحمد ربهم … تتجافى جنوبهم عن المضاجع …ومما رزقناهم ينفقون))
وذكر ابن تيمية رحمه الله، الأصول التي أخطأ فيها الجهمية، فقال:
"وَقَدْ ذَكَرْنَا فِيمَا تَقَدَّمَ أَنَّهُمْ غَلِطُوا فِي ثَلاثَةِ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: ظَنُّهُمْ أَنَّ الْإِيمَانَ الَّذِي فِي الْقَلْبِ يَكُونُ تَامًّا بِدُونِ الْعَمَلِ الَّذِي فِي الْقَلْبِ تَصْدِيقٌ بِلَا عَمَلٍ لِلْقَلْبِ، كَمَحَبَّةِ اللَّهِ وَخَشْيَتِهِ وَخَوْفِهِ وَالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ وَالشَّوْقِ إلَى لِقَائِهِ.
و الثَّانِي: ظَنُّهُمْ أَنَّ لإيمَانَ الَّذِي فِي الْقَلْبِ يَكُونُ تَامًّا بِدُونِ الْعَمَلِ الظَّاهِرِ، وَهَذَا يَقُولُ بِهِ جَمِيعُ الْمُرْجِئَةِ .
والثَّالِثُ: قَوْلُهُمْ كُلُّ مَنْ كَفَّرَهُ الشَّارِعُ، فَإِنَّمَا كَفَّرَهُ لِانْتِفَاءِ تَصْدِيقِ الْقَلْبِ بِالرَّبِّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى" [مجموع الفتاوى (7/363-7364)]
وقد رد أهل السنة على ما استدل بظاهره المرجئة من نصوص الوعد، بنصوص كثيرة ورد فيها من الوعيد ما يدحض مذهبهم، مثل قوله تعالى:
((وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا ءَاخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (68) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (69) إِلا مَنْ تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ عَمَلا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا)). [الفرقان:68-69-70].
وقوله تعالى: ((وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا)). [النساء:93].
ويدخل في ذلك كل النصوص التي استدل بها الخوارج والمعتزلة، من القرآن والسنة من نصوص الوعيد، فإنها ترد على مذهب المرجئة، وقد سبق ذكرها ومناقشة الاستدلال بها على التكفير أو الخلود في النار.
تبيين وتلخيص:
ونختم هذين المطلبين، بنصين لعالمين جليلين، لخصا فيهما بيان زيف مذهب طائفتي الخوارج والمعتزلة والمرجئة، ومذهب أهل الحق في هذه المسألة، وهما: أبو العز الحنفي، والمفسر الأندلسي الكلبي، رحمهما الله.
فقال أبو العز:"وأهل السنة أيضا متفقون على أنه يستحق الوعيد المرتب على ذلك الذنب كما وردت به النصوص، لا كما يقوله المرجئة من انه لا يضر مع الإيمان ذنب ولا ينفع مع الكفر طاعة.
وإذا جمعت نصوص الوعد التي استدلت بها المرجئة، ونصوص الوعيد التي استدلت بها الخوارج والمعتزلة، تبين لك فساد القولين، ولا فائدة في كلام هؤلاء سوى أنك تستفيد من كلام كل طائفة فساد مذهب الطائفة الأخرى" [شرح العقيدة الطحاوية (1/362)]
وقال الكلبي في قوله تعالى: ((إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء))
"هذه الآية هي الحاكمة في مسئلة الوعيد، وهي المبينة لما تعارض فيها من الآيات، وهي الحجة لأهل السنة والقاطعة بالخوارج والمعتزلة والمرجئة.
وذلك أن مذهب أهل السنة أن العصاة من المؤمنين في مشيئة الله إن شاء عذبهم وإن شاء غفر لهم، وحجتهم هذه الآية، فإنها نص في هذا المعنى.
ومذهب الخوارج أن العصاة يعذبون ولا بد سواء كانت ذنوبهم صغائر أو كبائر، ومذهب المعتزلة أنهم يعذبون على الكبائر ولا بد.
ويرد على الطائفتين قوله ((ويغفر ما دون ذلك)) فإنه تخصيص لبعض العصاة.
وقد تأولت المعتزلة الآية على مذهبهم، فقالوا: لمن يشاء وهو التائب لا خلاف أنه لا يعذب، وهذا التأويل بعيد لأن قوله إن الله لا يغفر أن يشرك به في غير التائب من الشرك، وكذلك قوله ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء في غير التائب من العصيان، ليكون أول الآية وآخرها على نسق واحد.
وتأولتها المرجئة على مذهبهم فقالوا لمن يشاء معناه لمن يشاء أن يؤمن، وهذا أيضا بعيد لا يقتضيه اللفظ.
وقد ورد في القرآن آيات كثيرة في الوعيد، فحملها المعتزلة على العصاة وحملها المرجئة على الكفار، وحملها أهل السنة على الكفار وعلى من لا يغفر الله له من العصاة.