كما حملوا آية الوعد على المؤمنين الذين لم يذنبوا وعلى المذنبين التائبين وعلى من يغفر الله له من العصاة غير التائبين.
فعلى مذهب أهل السنة لا يبقى تعارض بين آية الوعد وآية الوعيد، بل يجمع بين معانيها، بخلاف قول غيرهم فإن الآيات فيه تتعارض.
وتخليص المذاهب أن الكافر إذا تاب من كفره غفر له بإجماع، وإن مات على كفره لم يغفر له وخلد في النار بإجماع، وأن العاصي من المؤمنين إن تاب غفر له، وإن مات دون توبة فهو الذي اختلف الناس فيه.
التسهيل لعلوم التنزيل الكلبى (1/144- 145)]
سبب الإكثار من الأدلة والنقل عن العلماء؟
سألني بعض طلابي الذين نتدارس معهم بعض المصادر في العلوم الإسلامية: لماذا الإكثار من ذكر النصوص من القرآن والسنة، للاستدلال على حكم أو مسألة، أ لا يكفي المؤلف أن يستدل بأية أو حديث مثلا، ثم لماذا الإكثار عن العلماء الأقدمين؟
وكان جوابي: أن ذلك يعود إلى موضوع البحث، فقد يكون الإكثار من ذكر الأدلة من القرآن والسنة، والإكثار من النقل عن العلماء الأقدمين، مطلوبان لما يعلم الكاتب من وجود شك أو شبهة عند بعض الناس في المسألة أو الحكم، فيدعم قوله بكثرة الأدلة وبأقوال العلماء، لإزالة الشك وكشف الشبهة.
وقد يكون ذلك لتثبيت المعنى في نفس القارئ أو السائل، لما في تضافر الأدلة من مزيد الاطمئنان.
وليس الإكثار من الأدلة بدعا في منهج علماء الإسلام، فقد رأينا لكبار الأئمة في ذلك الشيء الكثير...
ومنهم الإمام الشافعي رحمه الله الذي يسوق كثيرا من الآيات والأحاديث وبخاصة في كتابيه "الأم" و"الرسالة" للاستدلال بها على المسألة الواحدة، وكثيرا ما يعقد في مسائله المناظرات في أوجه الاستدلال...
وهكذا غيره من العلماء، وبخاصة من ألف في الفقه المقارن، كالإمام النووي الشافعي في "المجموع" وابن قدامة الحنبلي في "المغني" والكاساني الحنفي في "بدائع الصنائع" وابن حزم في "المحلى".
وإذا كان الأمر كذلك في فروع الفقه، فإن العقيدة أولى بذلك وأحرى، وبخاصة مسألة التكفير وعدمه التي نحن بصددها في هذا الكتاب، فإنها من أهم مسائل العقيدة التي كثر فيها الأخذ والرد، وقصر فيها قوم وتجاوز آخرون فيها الحد.
وقد يكون الاختصار أولى عندما يعلم الكاتب أنه لا يوجد شك ولا تعرض شبهة، مع وضوح المعنى أو الحكم في نفوس القراء، الذين لا يحتاجون إلى كثرة الأدلة.
ولقد تعمدت الإطالة في موضوع التكفير وعدمه، والإكثار من نقل نصوص القرآن والسنة، والإكثار من نقل أقوال العلماء في هذا الباب.
والسبب في ذلك شدة الحاجة إلى لفت نظر طلاب العلم إلى خطر هذا الموضوع العظيم الذي لا ينبغي أن يغوص في أمواج بحاره المتلاطمة، غير أهله القادرين على السباحة فيها والرسو في شاطئ الأمان...
مع العلم أن كثيرا من هؤلاء قد رمى نفسه في محيطات تلك الأمواج، وهو لا يجيد السباحة في جدول صغير من الماء، فغرق فيها وأغرق معه من قلده على غير هدى وبرهان، فوقعوا جميعا فيما وقعوا فيه من الغلو المنهي عنه بسبب الجهل، وبنوا على ذلك تصرفات ظنوها شرعية والشرع منها براء، ولا عاصم من الغلو والإفراط أو التقصير والتفريط، إلا الفقه في دين الله عن طريق من فقههم الله فيه من علماء سلف الأمة:
((وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (122(( [التوبة]
وفي حديث معاوية رضي الله عنه، قال: (سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين...) [صحيح البخاري (1/39) وصحيح مسلم (2/718)
===============
أمواج الردة وصخرة الإيمان
الردة مفهومها وأسبابها في العقيدة والشريعة
د.عبد العزيز آل عبد اللطيف
هناك ظاهرة، تتكرر كل حين، في شكل موجات عاتية من الهجوم على ثوابت هذه الأمة وعقائدها ومناهجها، وهي موجات وهجمات تتحد في غاياتها، وإن كانت تختلف في أساليبها وفي أدواتها ورموزها... وهذا الملف، يعالج أخطر وأسوأ مظاهر هذا الهجوم على الدين، وهو ما يجري على ألسنة أدعياء الثقافة والعلم والأدب،...... ما هي حقيقتهم... ما هي أقوالهم... ما هو حكم الشريعة في أمثالهم... ثم... موقف القوانين الوضعية من الردة.. وهل كانت سبباً في الترويح لدعاوى الردة في بلاد المسلمين؟
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
من المعلوم بالضرورة من دين الإسلام أن الله ـ تعالى ـ أتم هذا الدين وجعل شريعة الإسلام أكمل الشرائع وأحسنها، وقد جاء هذا الدين شاملاً لجميع جوانب الحياة البشرية، ولذا أوجب الله ـ تعالى ـ على عباده الالتزام بجميع أحكام الإسلام فقال سبحانه: ((يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً)) [البقرة: 208]، كما جاء هذا الدين موافقاً للفطرة السوية الصحيحة، فقال ـ تعالى ـ: ((فِطْرَتَ اللَّهِ الَتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا)) [الروم: 30].
فإذا كان الشخص مسلماً لله ـ تعالى ـ، والتزم بدين الله ـ تعالى ـ، فأبى إلا أن ينسلخ من الهدى، ويتلبس بالضلال، فيمرق من الحق والنور إلى الباطل والظلمات، فهذا مرتد عن دين الإسلام، ناقض لعقد الإيمان، مصادم لما عليه هذا الكون الفسيح ـ من سماء وأرض ونبات وحيوان ـ من الاستسلام لله ـ تعالى ـ والخضوع له، كما قال سبحانه: ((وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ)) [آل عمران: 83].