هذه تجربتي أنقلها لأبنائنا الشباب المتحمسين الذين يجب أن يراجعوا أنفسهم ولا ينساقوا وراء المكفرين ممن لم يصقل عقولهم فقهاء الإسلام، ولم تتوفر لهم معرفة دراسة قواعد العلوم وأصولها على أيدي مشايخ العلم المتمكنين منه، كما قال الإمام الشاطبي فيما سبق:
"من أنفع طرق العلم الموصلة إلى غاية التحقق به، أخذُه عن أهله المتحققين به على الكمال والتمام.... وقلما وجدتُ فرقةً زائغة ولا أحدا مخالفا للسنة، إلا وهو مفارق لهذا الوصف".
رد أهل السنة على المرجئة
سبق أن المرجئة بنوا مذهبهم على ثلاثة أسس:
الأساس الأول: تعريف الإيمان أن الإيمان بالله هو المعرفة بالله وبرسله وبجميع ما جاء من عند الله فقط".
الأساس الثاني: التمسك بنصوص الوعد.
الأساس الثالث: تأويل نصوص الوعيد
وقد رد أهل السنة على نقض هذه الأسس، فعرفوا الإيمان تعريفا يخالف تعريف المرجئة، وبينوا أن نصوص القرآن والسنة تدل على صحة تعريفهم، وتأبى تعريف المرجئة:
معنى الإيمان عند أهل السنة
عرف جماهير أهل السنة الإيمان، بأنه :"اعتقاد بالجنان، وقول باللسان، وعمل بالأركان".
ومعنى هذا أن الإيمان في عرف الشرع، شامل لاعتقاد القلب، بحيث لو نطق بالشهادة ولم يكن مصدقا بها قلبه، لا يكون مؤمنا، ولو اعتقد بقلبه معنى الشهادة، ورفض النطق بها، لم يدخل في دائرة أهل الإيمان، وإذا نطق بالشهادة واعتقدها بقلبه، وترك ما أمره الله بفعله من الفرائض، وارتكب ما نهاه الله عنه من الكبائر، يكون ناقص الإيمان.
وهو معرض لعقاب الله على ترك الفرائض وفعل المحرمات، وإذا مات قبل التوبة، إن شاء غفر له، وإن شاء عذبه ثم أدخله الجنة.
قال ابن كثير رحمه الله:
"والإيمان كلمة جامعة للإيمان بالله وكتبه ورسله وتصديق الإقرار بالفعل.
قلت: أما الإيمان في اللغة فيطلق على التصديق المحض، وقد يستعمل في القرآن والمراد به ذلك، كما قال تعالى: ((يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين)) وكما قال إخوة يوسف لأبيهم: ((وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين))
وكذلك إذا استعمل مقرونا مع الأعمال كقوله تعالى: ((إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات))
فأما إذا استعمل مطلقا فالإيمان الشرعي المطلوب، لا يكون إلا اعتقادا وقولا وعملا، هكذا ذهب إليه أكثر الأئمة، بل قد حكاه الشافعي وأحمد بن حنبل وأبو عبيدة وغير واحد إجماعا، أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، وقد ورد فيه آثار كثيرة وأحاديث أفردنا الكلام فيها في أول شرح البخاري ولله الحمد والمنة" [تفسير ابن كثير تفسير ابن كثير (1/41-42)]
ويظهر لي من الآيات الآتية دلالة على صحة تعريف الإيمان عند أهل السنة، وعدم صحة تعريفه عند المرجئة:
قال تعالى: ((إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانَاً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (2) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ (3) أُوْلَئِكَ هُمْ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (4))) [الأنفال]
فقد حصرت هاتان الآيتان المؤمنين في المتصفين بهذه الصفات التي هي من أجزاء الإيمان:
الصفة الأولى: وجل القلوب عند ذكر الله، أي خوفها منه تعالى.
الصفة الثانية: ازديادهم إيمانا عندما تتلى عليهم آيات الله.
الصفة الثالثة: التوكل على الله، أي الاعتماد عليه.
الصفة الرابعة: إقامة الصلاة.
الصفة الخامسة: الإنفاق مما رزقهم الله.
والصفات الثلاث الأولى من أعمال القلوب – إلا أن زيادة الإيمان شاملة لعمل القلب وغيره – وكذلك الرابعة والخامسة شاملتان لأعمال القلوب والجوارح.
ومما يدل على أن هذه الصفات أجزاء للإيمان أمران:
الأمر الأول: الحصر المذكور قبل هذه الصفات في قوله تعالى: ((إنما المؤمنون))
الأمر الثاني: التوكيد البالغ بعد ذكر تلك الصفات في قوله: ((أولئك هم المؤمنون حقا)) ولا يقال: إن الحصر منصب على المؤمنين لا على الإيمان، لأن المؤمنين إنما اتصفوا بتلك الصفات لكونها من الإيمان.
وقال تعالى: ((إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّداً وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ (15) تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنْ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ (16))) [السجدة]
فقد حصرت الآيتان الكريمتان الإيمان في المتصفين بهذه الصفات المذكورة فيهما، وهي: السجود لله عند التذكير بآياته، والتسبيح بحمده، والخضوع له بعبادته وعدم الاستكبار عنها، ومفارقتهم للمضاجع في الأوقات التي تشتد حاجتهم إلى الالتصاق بها، من أجل إقبالهم إلى الله تعالى، ودعاء الله تعالى، وخوف عقابه، والطمع في مثوبته وأجره، والإنفاق من رزقه في طاعته.
فالسجود والتسبيح والدعاء والإنفاق ومفارقة المضاجع، من أعمال الجوارح. والخضوع لله الذي تضمنه ترك الاستكبار، والخوف من عقاب الله والطمع في ثوابه من أعمال القلوب.
وهذا يدل على أن تلك الصفات كلها من أجزاء الإيمان.
وقال تعالى: ((وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (81) )) [المائدة]
فالآية تدل على أن موالاة أعداء الله وميل القلب إليهم ونصرهم ينافي الإيمان الواجب.
وقال تعالى: ((إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمْ الصَّادِقُونَ (15))) [الحجرات]