تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولهذا وجدت جماعات كثيرة تعتقد هذا الاعتقاد في غالب البلدان الإسلامية، مع الاحتلاف في قلة تلك الجماعات وكثرتها في كل بلد منها، وقد بدأت بعض هذه الجماعات في مراجعة مواقفها والرجوع عن اعتقادها الذي ترتبت عليه آثار خطيرة مشروعة.

وأما سلاح القوة والتنفيذ، فهو حمل السلاح واستحلال قتل من اعتقدوا كفره، من الحكام والموظفين والشعوب...

وترتب على ذلك ما ترتب من إزهاق لأرواح المسلمين في بلدانهم وهدم لمنشآتهم وإهدار لأموالهم، بل إن بعضهم اجترؤوا على سبي لفتيات مسلمات في بعض البلدان...

السبب الثاني: أن هؤلاء الشباب وتلك الجماعات رتبوا على تكفير من خالفهم في رأيهم وعدم اعتبار رأيه ومواقفه، ورأوا خلو البلدان الإسلامية من جهة تطاع أو تستشار.

ورأوا أن الجهاد في سبيل الله الذي فرضه الله على عباده، قد عطل ونكست رايته، حتى احتل الكفار بعض بلدان المسلمين أو سيطروا على حكامها الذين أصبحوا ينفذون في الشعوب الإسلامية ما يخالف كتاب الله وسنة رسوله...

فرتبوا على ذلك أنه يجب عليهم القيام بهذه الفريضة فاتجهوا إلى التدريب القتالي وحيازة السلاح والقيام بغزو بلاد الكفار، وهو ما يسمى بـ(جهاد الطلب) الذي يباح فيه قتل الكفار وإفساد أموالهم وتخريب ديارهم إذا تعينت المصلحة في ذلك، وقتل غير المقاتلين إذا تترس بهم المقاتلون.

واعتبروا أن القدرة المشروعة هي تلك القدرة التي توفرت لهم، من مال وتدريب وحمل سلاح واستعماله، ولم يفكروا فيما يترتب على تدبيرهم من عواقب وخيمة على الأمة الإسلامية في مشارق الأرض ومغاربها، حيث إنهم يفقدون القدرة على حماية تلك الأمة من عواقب تدبيرهم...

وقد سبق الكلام على وجوب الموازنة بين المصالح والمفاسد وتقديم أعلى المصلحتين إن لم يمكن الجمع بينهما، وترك أعظم المفسدتين إن لم يمكن تركهما جميعا.

السبب الثالث: مرور صاحب هذا البحث بتجربة خطيرة، يرى شباب المسلمين اليوم يمرون بها، ورأى أن الواجب عليه نقل تجربته إليهم ليتعظوا بها.

نعم لقد بدأت هذه التجربة سنة (1374هـ - 1954م) ولم يتضح له خطرها اتضاحا كاملا، إلا سنة (1383هـ - 1964م) يعني أن التجربة استمرت عشرة أعوام تقريبا.

فما هي تلك التجربة وكيف تبين لصاحبها خطرها والخطأ فيها؟

أولا: التجربة:

معلوم ما كان عليه غالب أهل اليمن في تلك الفترة من جهل عام شامل: عام في أصول الدين وفروعه، وشامل لغالب الشعب... ولست بصدد التفصيل في ذينكم الأمرين، وإنما أذكر ما يتعلق بالتجربة...

كان الناس يتبركون بالقبور، وبخاصة قبور آبائي وأجدادي، وكانوا يستغيثون بالموتى ويدعونهم من دون الله ويطلبون منهم ما لا يطلب إلا من الله، كطلب المرأة العاقر من الميت أن يرزقها الولد، وكانوا يذبحون للموتى الذبائح يطلبون منهم نزول الغيث عند الجدب...

وعندما بدأت طلب العلم في قرية "صامطة" في جنوب غرب المملكة العربية السعودية، عرفت أن كثيرا من تلك الأمور من الشرك الأكبر المخرج من الملة، ولم أعلم أنه لا يجوز تكفير المعين إلا بعد إقامة الحجة عليه.

فاعتقدت كفر المسلمين هناك، وأول من شمله تكفيري أسرتي، اعتقدت كفر أبي الذي مات وأنا حمل، واعتقدت كفر أمي التي توفيت وأنا صغير، واعتقدت كفر إخواني الذين كاد أحدهم يقتلني، وحرمت أكل ذبائح كل الناس الذين لم يعلنوا إسلامهم من جديد ويكفروا بما كانوا يعتقدون.

ثم ألفت منظومة، وكتبت عليها تعليقات من بعض كتب التوحيد، وسميتها "بهجة القلوب في توحيد علام الغيوب" ذكرت فيها تلك الأعمال الشركية وكفرت أشخاصا بأعيانهم ذكرتهم في المنظومة بأسمائهم، وقد طبعت ووزعت في غالب قرى اليمن، وبخاصة بلدان تهامة....

كيف تبين لي خطر التجربة وخطؤها؟

كنت قبل مجيئي إلى الجامعة الإسلامية في المدينة النبوية، قد تمكنت من قراءة ما نشر من كتب علامة القصيم الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله، ومنها كتابه "تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان" وكان كثيرا ما يذكر في كتبه شيخ الإسلام ابن تيمية في كتبه وينقل كلامه، وتأثرت بأسلوب الرجل لسهولته واعتداله... ولكني لا أذكر شيئا علق بذهني من تلك القراءة في التكفير...

وعندما جئت درست في الجامعة الإسلامية وجدت في شرح كتاب الطحاوية ما يخالف ما كنت أراه، فسألت أستاذنا الشيخ المحدث ناصر الدين الألباني رحمه الله، فقال: إن الكافر المعين الذي لم يدخل في الإسلام ويعلن إسلامه، نطبق عليه أحكام الكفر كلها في الدنيا، ولكنا لا نحكم عليه بجنة ولا نار في الآخرة وندع أمره إلى ربه، لأنا لسنا مكلفين بالحكم على الناس في الآخرة...

وطال الحوار بيني وبينه رحمه الله، وكان يمتاز عن كثير من الأساتذة باللطف و الصبر والحوار، قوي الحجة في الإقناع...فأقنعني بأنه لا يجوز تكفير المعين قبل إقامة الحجة عليه ولو أتى ما هو كفر، ولا يجوز الحكم على معين بأنه مخلد في النار، كما لا يحكم لأحد بأنه من أهل الجنة إلا إذا قام الدليل على ذلك...

ونصحني بالإكثار من قراءة كتب ابن تيمية رحمه الله، فنفذت نصيحته... وقرأت بعد أن انتهيت من دراسة الجامعة سنة 1385هـ عشرين مجلدا من مجموع الفتاوى، فوجدت فيها بغيتي، ومنها تبين لي خطأي في تلك التجربة، وسبق ذكر بعض النصوص التي أثبتها هنا في هذا الكتاب من كلامه رحمه الله... كما أثبتها في كتابي: "الإيمان هو الأساس" وحمدت الله تعالى أن تبين لي الحق الذي كنت أجهله، وبسبب ذلك الجهل كفرت أقرب المقربين إلي وهما الأبوان، ولم أكن أستغفر لهما...

المفصل في شرح حديث من بدل دينه فاقتلوه · الصفحة ٥٦٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في شرح حديث من بدل دينه فاقتلوهص ٥٦٥