تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فالأصل عدم تولية المنافقين على شئون المسلمين، لأنهم غير مؤتمنين على تدبير شئونهم، ولكن إذا ما ابتلي المسلمون بولاية المنافقين عليهم مكرهين، بأن قويت شوكتهم فاغتصبوا الأمر بدون رضاهم، أو تحالفوا مع الكفار من اليهود والنصارى والوثنيين، فمكنوهم من السيطرة على الشعوب الإسلامية.

فالواجب على المسلمين أن ينكروا عليهم ما يخالفون فيه كتاب الله وسنة رسوله، بحسب مراتب المخالفة ومراتب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مع مراعاة المصالح والمفاسد في الأمر والنهي.

فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قاعدة من أهم قواعد الإسلام التي لا يجوز التقصير فيها، وهي من فروض الكفاية التي إذا تركت أثم كل قادر على القيام بها من الأمة الإسلامية، حتى يوجد من يقوم بها قياما كافيا.

وكون مرتكب الكفر المعين لا يكفر حتى تقوم عليه الحجة، لا يبيح للمسلمين السكوت عنه وإشعاره بأنه مسلم، بل إن ذلك يوجب عليهم، أن يبينوا له أن الكفر يخرج صاحبه بعد إقامة الحجة عليه من الملة، و أن صاحبه مخلد في النار إذا مات عليه.

ومن أمثلة ذلك إنكار ما علم من الدين بالضرورة وجوبه، كاعتقاد تحكيم شرع الله والحكم به، وهو كثير في أبواب الفقه الإسلامي، ومنه أركان الإسلام، وإقامة الحدود، وتقسيم الميراث بين الورثة كما نزل بها القرآن.

وكذلك استحلال ما علم من الدين بالضرورى تحريمه، كشرب المسكر وأكل الميتة والزنا ...

فكل ذلك يجب على المسلمين وبخاصة العلماء إنكاره وبيانه لمن اتصف به، فإذا أنكروه وبينوه وقامت الحجة على صاحبه ولم يؤب إلى الله ويستسلم لحكمه أصبح بعينه مستحق للتكفير...

ويجب أن يعلم أنه كلما كانت المخالفة أشد كان وجوب الإنكار أعظم، وكلما كانت القدرة على إنكار المنكر أقوى كان وجوبه أشد، وكلما كانت مصالح الأمر والنهي أكثر من مفاسدهما، كانا أوجب.

ومعرفة تحقق هذه الأمور والموازنة بينهما تعود إلى أهل الحل والعقد، من علماء الأمة وعقلائها وأعيانها وذوي التخصصات المتنوعة فيها.

وليس ذلك إلى غوغاء الناس وجهالها وسفهائها وذوي العواطف غير المنضبطة الذين يضرون الأمة أكثر مما ينفعونها.

قال ابن تيمية رحمه الله: "وَجِمَاعُ ذَلِكَ دَاخِلٌ فِي "الْقَاعِدَةِ الْعَامَّةِ": فِيمَا إذَا تَعَارَضَتْ الْمَصَالِحُ وَالْمَفَاسِدُ، وَالْحَسَنَاتُ وَالسَّيِّئَاتُ أَوْ تَزَاحَمَتْ ; فَإِنَّهُ يَجِبُ تَرْجِيحُ الرَّاجِحِ مِنْهَا فِيمَا إذَا ازْدَحَمَتْ الْمَصَالِحُ وَالْمَفَاسِدُ، وَتَعَارَضَتْ الْمَصَالِحُ وَالْمَفَاسِدُ.

فَإِنَّ الْأَمْرَ وَالنَّهْيَ وَإِنْ كَانَ مُتَضَمِّنًا لِتَحْصِيلِ مَصْلَحَةٍ وَدَفْعِ مَفْسَدَةٍ، فَيُنْظَرُ فِي الْمُعَارِضِ لَهُ، فَإِنْ كَانَ الَّذِي يَفُوتُ مِنْ الْمَصَالِحِ أَوْ يَحْصُلُ مِنْ الْمَفَاسِدِ أَكْثَرَ، لَمْ يَكُنْ مَأْمُورًا بِهِ; بَلْ يَكُونُ مُحَرَّمًا إذَا كَانَتْ مَفْسَدَتُهُ أَكْثَرَ مِنْ مَصْلَحَتِهِ" [مجموع الفتاوى(28/129)]

وذكر ابن القيم رحمه الله: أن لإنكار المنكر أربع درجات، فقال:

"فإنكار المنكر أربع درجات:

الأولى: أن يزول ويخلفه ضده.

الثانية: أن يقل وإن لم يزل بجملته.

الثالثة: أن يخلفه ما هو مثله.

الرابعة: أن يخلفه ما هو شر منه.

فالدرجتان الأوليان مشروعتان

والثالثة موضع اجتهاد

والرابعة محرمة" [إعلام الموقعين (3/4)]

أسباب الإطالة في معنى الكفر والنفاق

لقد أطلت الكلام في معنى الكفر والتكفير والنفاق وبيان خطرهما.

وترجع هذه الإطالة إلى اٍلأسباب الآتية

السبب الأول: بروز جماعات وأفراد من شباب المسلمين المتحمسين لهذا الدين، الذين هيَّجت عواطفَهم وألهبت مشاعرَهم، محاربةُ غالب حكومات الشعوب الإسلامية لتطبيق شريعتهم في حياة أمتهم، متواطئين في ذلك مع أعداء الإسلام من غير المسلمين.

فرأوا تطبيق القوانين الوضعية التي يخالف غالبها كتاب الله وسنة رسوله، ورأوا انتشار الظلم وانزوراء العدل، كما رأوا اختفاء كثير من الأخلاق الإسلامية، وسيطرة كثير من الأخلاق الفاسدة، ورأوا ارتكاب الكبائر واستباحة المحرمات، ورأوا إهانة دعاة الإسلام وعلماء الأمة والزج بهم في السجون والمعتقلات والمنافي.

بل رأوا قتل كثير منهم بغير جرم ارتكبوه إلا أن يدعوا الناس إلى تطبيق معنى "لا إله إلا الله" ورأوا الأعداء يحتلون أرضهم وينتهكون أعراضهم، ورأوا فريضة الجهاد معطلة في وقت اشتدت حاجة الأمة إليه... ورأوا سكوت كثير من علماء الأمة عن مناصحة من بيدهم زمام أمور الشعوب الإسلامية ومقاليدها.

ورأوا الواقع العملي في الجهاد الأفغاني يؤيد ما جاء به وحي الله من الكتاب والسنة، من وجوب إعداد العدة لجهاد أعداء الله الكافرين المعتدين، وأنه لا مخرج من عدوان المعتدين إلا بذلك.

فلم تطق هذه الجماعات وهؤلاء الأفراد الصبر على بقاء هذه المآسي في هذه الأمة، فلجئوا إلى التسلح بسلاحين خطيرين:

السلاح الأول: سلاح العقيدة والفكر.

السلاح الثاني: سلاح القوة والتنفيذ

أما سلاح العقيدة والفكر، فقد تمثل في اعتقاد كفر حكومات الشعوب الإسلامية إجمالا وتفصيلا كفرا مخرجا من ملة الإسلام، وأعني بالإجمال أن حكومةَ دولةٍ مّا من تلك الحكومات كافرة، وأعني بالتفصيل أن كل فرد بعينه وباسمه كافر ...

بل إن بعض تلك الجماعات حكمت بالكفر على كل موظفي الدولة ومنهم العلماء الذين سموهم بـ(علماء السلطة) بحجة أنهم يوالون الحكام ويعينونهم على كفرهم، بل إن بعضهم كفروا الشعوب بحجة أنهم ساكتون عن كفر الحكومات راضون به...

المفصل في شرح حديث من بدل دينه فاقتلوه · الصفحة ٥٦٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في شرح حديث من بدل دينه فاقتلوهص ٥٦٤