دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ } , وَلَمْ يَكُنْ بِهِ مِنْ تَخْصِيصِ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ , فَوَجَبَ تَخْصِيصُ الْوَارِدِ عَلَى سَبَبِهِ , وَحُمِلَ الْآخَرُ عَلَى عُمُومِهِ , لِأَنَّ السَّبَبَ مِنْ أَمَارَاتِ التَّخْصِيصِ . ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيُّ فِي الْحَاوِي . وَأَمَّا مَا قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ حَدِيثُ : ﴿ لَيْسَ مِنْ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ ﴾ فَإِنَّمَا اعْتَبَرَ السَّبَبَ لِقَصْدِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ كَنَظِيرِ مَا سَبَقَ فِي بِئْرِ بُضَاعَةَ , كَيْفَ وَقَدْ نَصَّ فِي كِتَابِ اللِّعَانِ عَلَى أَنَّ الْعِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لَا بِخُصُوصِ السَّبَبِ فِي إقَامَةِ الدَّلِيلِ عَلَيْهِ . وَأَمَّا حَدِيثُ : ﴿ الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ ﴾ , فَقَالَ الْقَفَّالُ الشَّاشِيُّ فِي أُصُولِهِ : قَصَرَهُ أَصْحَابُنَا عَلَى سَبَبِهِ , وَهُوَ فِيهِ عَبْدٌ بِيعَ , فَظَهَرَ فِيهِ عَيْبٌ , فَجَهِلَ لِمُشْتَرِيهِ خَرَاجُهُ لِضَمَانِهِ إيَّاهُ لَوْ تَلِفَ . قَالَ : فَجَعَلَ أَصْحَابُنَا ذَلِكَ حُكْمًا فِي الْبُيُوعِ دُونَ الْغُصُوبِ وَإِنْ كَانَتْ الْغُصُوبُ مَضْمُونَةً , وَقَدْ خَالَفَهُمْ فِي ذَلِكَ غَيْرُهُمْ . ا هـ . وَقَالَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ فِي تَعْلِيقِهِ : الْغَاصِبُ يَضْمَنُ مَنْفَعَةَ الْمَغْصُوبِ اسْتَوْفَاهَا أَمْ لَا , خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ , وَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ : ﴿ الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ ﴾ , وَأَجَابَ الشَّافِعِيُّ بِأَنَّ الْخَبَرَ وَرَدَ فِي خَرَاجِ الْمِلْكِ فَإِنَّهُ وَرَدَ فِي الْمُشْتَرِي إذَا اسْتَعْمَلَ الْمَبِيعَ , ثُمَّ اطَّلَعَ عَلَى عَيْبٍ , فَأَرَادَ الرَّدَّ . ا هـ . هَذَا مِنْ الْقَفَّالِ وَالْقَاضِي اعْتِبَارًا لِلسَّبَبِ . وَاعْتَرَضَ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ الشَّافِعِيَّ رَوَى هَذَا الْحَدِيثِ بِلَفْظِ : أَنَّ ﴿ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَضَى أَنَّ الْخَرَاجَ بِالضَّمَانِ ﴾ , وَحِينَئِذٍ فَلَيْسَ مِمَّا نَحْنُ فِيهِ , إذْ لَا عُمُومَ لِمِثْلِ هَذِهِ الصِّيغَةِ عَلَى الْأَصَحِّ , كَمَا فِيمَنْ قَضَى بِالشُّفْعَةِ . قُلْت : لَكِنْ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد عَنْ عَائِشَةَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ : ﴿ الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ ﴾ . وَهَذِهِ صِيغَةٌ عَامَّةٌ , ثُمَّ رَأَيْت الشَّافِعِيَّ قَالَ فِي الْبُوَيْطِيِّ وَالْحُجَّةُ فِي أَنَّ عَلَى الْغَاصِبِ غَلَّةُ مَا اغْتَصَبَهُ , وَإِنْ لَمْ يَسْكُنْ الدَّارَ , وَلَمْ يَرْكَبْ الدَّابَّةَ حَدِيثُ مُجَالِدِ بْنِ خَلَّافٍ حِينَ قَالَ لَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم : ﴿ الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ ﴾ , وَإِنَّمَا ذَلِكَ فِي عَبْدٍ , وَلَيْسَ بِعَيْبِهِ , فَقَضَى النَّبِيُّ عليه السلام بِالْغَلَّةِ لِمَالِك الرَّقَبَةِ , فَذَلِكَ يَقْضِي بِالْغَلَّةِ لِمَالِكِ الرَّقَبَةِ , وَهُوَ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ , لِأَنَّهُ مَالِكُ الشَّيْءِ . ا هـ . وَهَذَا الِاسْتِدْلَال يَرْفَعُ الْإِشْكَالَ , وَقَدْ قَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ فِي الْقَوَاطِعِ : قِيلَ : إنَّ الشَّافِعِيَّ أَشَارَ إلَى اعْتِبَارِ خُصُوصِ السَّبَبِ فِي بِئْرِ بُضَاعَةَ , وَقَالَ فِي قَوْلِهِ : ﴿ الْمَاءُ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ ﴾ مَقْصُودٌ عَلَى سَبَبِهِ . وَقَالَ فِي قَوْلِهِ : ﴿ لَا قَطْعَ فِي ثَمَرٍ وَلَا كَثَرٍ ﴾ أَنَّهُ خَرَجَ عَلَى عَادَةِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ فِي ثِمَارِهِمْ وَأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ فِي مَوَاضِعَ مُحَوَّطَةٍ . وَسَائِرُ الْأَصْحَابِ قَالُوا : إنَّمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ هَذَا لِأَدِلَّةٍ دَلَّتْ عَلَيْهِ , فَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ دَلِيلٌ عَلَى التَّخْصِيصِ فَمَذْهَبُهُ إجْرَاءُ اللَّفْظِ عَلَى عُمُومِهِ . ا هـ . وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصَّيْرَفِيُّ فِي أُصُولِهِ , وَأَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْقَطَّانِ أَيْضًا : كُلُّ خِطَابٍ حَصَلَ عِنْدَ حُدُوثِ مَعْنًى , فَإِنْ كَانَ فِي الْخِطَابِ أَوْ غَيْرِهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ الْحُكْمَ فِي الْمَعْنَى فَالنَّظَرُ إلَى الْمَعْنَى ابْتِدَاءً سَوَاءٌ كَانَ أَعَمَّ مِنْ الِاسْمِ أَوْ أَخَصَّ , لِقِيَامِ الدَّلِيلِ عَلَى اعْتِبَارِ الْمَعْنَى , وَإِنْ لَمْ تَقُمْ دَلَالَةٌ فَالْحُكْمُ لِلِاسْمِ حَتَّى يَقُومَ الدَّلِيلُ عَلَى خِلَافِهِ . انْتَهَى . وَالْحَاصِلُ أَنَّ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ الْعَمَلُ بِالْعُمُومِ إلَّا أَنْ يَقُومَ دَلِيلٌ يَقْتَضِي الْقَصْرَ عَلَى السَّبَبِ , فَحِينَئِذٍ يَرْجِعُ إلَيْهِ كَمَا فَعَلَ فِي الْآيَةِ , وَفِي حَدِيثِ ﴿ الْخَرَاجِ بِالضَّمَانِ ﴾ , وَبِئْرِ بُضَاعَةَ , وَغَيْرِهَا . وَحَكَاهُ الْقَفَّالُ الشَّاشِيُّ وَأَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْقَطَّانِ عَنْ أَصْحَابِنَا . وَلَا يَلْزَمُ مِنْ الْقَصْرِ عَلَى السَّبَبِ لِدَلِيلِ الْعَمَلِ بِهِ مُطْلَقًا , فَمِنْ هَاهُنَا مَثَارُ الْغَلَطِ عَلَى الشَّافِعِيِّ , فَقَدْ عَمِلُوا بِحَدِيثِ : ﴿ الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ ﴾ مُطْلَقًا فِي الْإِمَاءِ وَالْحَرَائِرِ وَالْأَمَةِ الْمَمْلُوكَةِ وَالْمَنْكُوحَةِ مَعَ أَنَّهُ وَرَدَ فِي التَّدَاعِي فِي وَلَدِ الْمَمْلُوكَةِ , وَعَمِلُوا بِحَدِيثِ الْعَرَايَا مُطْلَقًا , لِلْأَغْنِيَاءِ وَالْفُقَرَاءِ , مَعَ أَنَّ الرُّخْصَةَ إنَّمَا وَرَدَتْ فِي الْفُقَرَاءِ . وَكَذَلِكَ مَشْرُوعِيَّةُ الرَّمَلِ ثَبَتَتْ مُطْلَقًا , وَإِنْ وَرَدَ عَلَى سَبَبٍ خَاصٍّ , وَقَدْ زَالَ . وَاتَّفَقَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ عَلَى
المفصل في شرح حديث من بدل دينه فاقتلوه · الصفحة ٢٨٧
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
المفصل في شرح حديث من بدل دينه فاقتلوهص ٢٨٧
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي