تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

: ﴿ الْمَاءُ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ ﴾ ; خَرَجَ عَلَى سَبَبٍ وَهُوَ بِئْرُ بُضَاعَةَ , فَقَصَرَهُ عَلَى سَبَبِهِ . وَقَالَ فِي اخْتِلَافِ الْحَدِيثِ : أَمَّا حَدِيثُ بِئْرِ بُضَاعَةَ , فَإِنَّ بِئْرَ بُضَاعَةَ كَثِيرَةُ الْمَاءِ وَاسِعَةٌ , كَانَ يُطْرَحُ فِيهَا مِنْ الْأَنْجَاسِ مَا لَا يُغَيِّرُ لَهَا لَوْنًا وَلَا طَعْمًا وَلَا رِيحًا , فَقِيلَ : أَنَتَوَضَّأُ مِنْهَا وَيُطْرَحُ فِيهَا كَذَا ؟ فَقَالَ عليه السلام مُجِيبًا : ﴿ الْمَاءُ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ ﴾ , وَكَانَ جَوَابُهُ مُحْتَمِلًا كُلَّ مَاءٍ , وَإِنْ قَلَّ . وَبَيَّنَّا أَنَّ فِي الْمَاءِ مِثْلَهَا إذَا كَانَ مُجِيبًا عَلَيْهَا , فَلِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ عليه السلام أَنْ يُغْسَلَ الْإِنَاءُ مِنْ وُلُوغِ الْكَلْبِ سَبْعًا دَلَّ عَلَى أَنَّ جَوَابَهُ فِي بِئْرِ بُضَاعَةَ عَلَيْهَا , وَكَانَ الْعِلْمُ أَنَّهُ عَلَى مِثْلِهَا أَوْ أَكْثَرِ مِنْهَا , وَلَا يَدُلُّ حَدِيثُ بِئْرِ بُضَاعَةَ وَحْدَهُ عَلَى أَنَّ مَا دُونَهَا مِنْ الْمَاءِ لَا يُنَجَّسُ , وَكَانَتْ آنِيَّةُ النَّاسِ صِغَارًا , وَكَانَ فِي حَدِيثِ الْوُلُوغِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ قَدْرَ مَاءِ الْإِنَاءِ يُنَجَّسُ بِمُخَالَطَةِ النَّجَاسَةِ لَهُ , وَإِنْ لَمْ يُغَيَّرْ . انْتَهَى . وَقَالَ فِي قَوْلِهِ : ﴿ إنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ ﴾ : إنَّهُ خَرَجَ عَلَى سُؤَالِ سَائِلٍ , فَقَصَرَهُ . وَمِنْهَا قَوْلُهُ : إنَّ جِلْدَ الْكَلْبِ لَا يَطْهُرُ بِالدِّبَاغِ , وَجُعِلَ قَوْلُهُ : ﴿ أَيُّمَا إهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ ﴾ خَاصًّا بِالْمَأْكُولِ , فَقَدْ قَصَرَهُ عَلَى سَبَبِهِ . وَمِنْهَا أَنَّهُ خَصَّصَ النَّهْيَ عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ بِالْحَرْبِيَّاتِ , لِخُرُوجِهِ عَلَى سَبَبٍ , وَهُوَ ﴿ أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم مَرَّ بِامْرَأَةٍ مَقْتُولَةٍ فِي بَعْضِ غَزَوَاتِهِ , فَقَالَ : لِمَ قُتِلَتْ وَهِيَ لَا تُقَاتِلُ ؟ ﴾ وَنَهَى عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ ; فَعُلِمَ أَنَّهُ أَرَادَ الْحَرْبِيَّاتِ . وَتَخَلَّصَ بِذَلِكَ عَنْ اسْتِدْلَالِ أَبِي حَنِيفَةَ بِهِ عَلَى مَنْعِ قَتْلِ الْمُرْتَدَّةِ . فَقَدْ أَلْغَى الشَّافِعِيُّ التَّعْمِيمَ وَقَصَرَهُ عَلَى السَّبَبِ . وَمِنْهَا قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ فِي الْحَاوِي : لَا يَخْتَلِفُ أَصْحَابُنَا أَنَّ الصَّوْمَ فِي السَّفَرِ أَفْضَلُ مِنْ الْفِطْرِ , لِأَنَّ الْفِطْرَ مَضْمُونٌ بِالْقَضَاءِ , وَأَمَّا قَوْلُهُ عليه الصلاة والسلام : ﴿ لَيْسَ مِنْ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ ﴾ , فَهَذَا وُرُودٌ عَلَى سَبَبٍ وَهُوَ أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام مَرَّ بِرَجُلٍ , وَقَدْ أَحْدَقَ بِهِ النَّاسُ , فَسَأَلَ عَنْهُ , فَقِيلَ مُسَافِرٌ , قَدْ أَجْهَدَهُ الصَّوْمُ , فَقَالَ ﴿ لَيْسَ مِنْ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ ﴾ , وَعِنْدَنَا أَنَّ مَنْ أَجْهَدَهُ الصَّوْمُ فَفِطْرُهُ أَوْلَى . ا هـ . قُلْت : وَهَذَا كُلُّهُ لَا يَنْبَغِي السَّبَقُ بِهِ إلَى نِسْبَةِ الشَّافِعِيِّ إلَى اعْتِبَارِ خُصُوصِ السَّبَبِ , أَمَّا مَا ذَكَرَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ , فَلَيْسَ ذَلِكَ مُصَيِّرًا إلَى اعْتِبَارِ السَّبَبِ لِوَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ لَمْ يَأْخُذْ التَّخْصِيصَ هُنَا مِنْ السَّبَبِ , وَإِنَّمَا أَخَذَهُ مِنْ التَّأْوِيلِ فِي اللَّفْظِ , وَلَهُ مَحَامِلُ وَقَصْدُهُ بِذَلِكَ تَطَرُّقُ التَّأْوِيلِ إلَى الْآيَةِ الَّتِي تَمَسَّكَ بِهَا مَالِكٌ , وَلَوْلَا فَتْحُ هَذَا الْبَابِ لَكَانَتْ الْآيَةُ نَصًّا فِي الْحَصْرِ , وَهِيَ مِنْ أَوَاخِرِ مَا نَزَلَ مِنْ الْقُرْآنِ , وَلَا نَسْخَ فِيهَا , وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ عَلَى تَحْرِيمِ الْحَشَرَاتِ وَالْقَاذُورَاتِ وَالْعُذُرَاتِ , وَلَمْ تَنْطَوِ الْآيَةُ عَلَيْهَا , وَكَيْفَ تَجْرِي الْآيَةُ مَعَ هَذَا عَلَى الْعُمُومِ . وَالثَّانِي : أَنَّ النِّزَاعَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ حَيْثُ لَا دَلِيلَ يُصْرَفُ إلَى السَّبَبِ , وَالشَّافِعِيُّ إنَّمَا قَصَرَ الْآيَةَ عَلَى سَبَبِهَا لَمَّا وَرَدَتْ السُّنَّةُ بِمُحَرَّمَاتٍ كَثِيرَةٍ كَالْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ , وَكُلِّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ , وَذَكَرَ الْآيَةَ الْأُخْرَى عَلَى جَمْعِ الْخَبَائِثِ , فَجَمَعَ الشَّافِعِيُّ بَيْنَ الْأَدِلَّةِ كُلِّهَا , بِأَنْ قَصَرَ آيَةَ الْإِبْهَامِ عَلَى سَبَبِهَا , وَقَدْ أَشَارَ الشَّافِعِيُّ إلَى ذَلِكَ فِي الرِّسَالَةِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمُرَادِهِ . وَأَمَّا حَدِيثُ ﴿ الْمَاءُ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ ﴾ وَ ﴿ إنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ ﴾ فَإِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ كَمَا قَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْقَطَّانِ وَغَيْرُهُ , لِأَنَّهُ رَأَى الْأَخْبَارَ تَعَارَضَتْ , فَلَمْ يُمْكِنْ اسْتِعْمَالُهَا عَلَى ظَاهِرِهَا , فَحَمَلَهَا عَلَى السَّبَبِ لِلتَّعَارُضِ . وَأَمَّا مَسْأَلَةُ الدِّبَاغِ فَلَمْ يَقْصُرْ الْحُكْمَ عَلَى السَّبَبِ , وَإِلَّا لَقَصَرَهُ عَلَى خُصُوصِ الشَّاةِ , بَلْ سَائِرُ جِلْدِ الْمَأْكُولِ عِنْدَهُ سَوَاءٌ , وَإِنَّمَا أُخْرِجَ جِلْدُ الْكَلْبِ عَنْ الْعَامِّ بِدَلِيلٍ , وَكَذَا مَسْأَلَةُ الْقَطْعِ . وَأَمَّا مَا قَالَهُ فِي النَّهْيِ عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ , فَإِنَّهُ إنَّمَا قَصَرَهُ عَلَى سَبَبِهِ لَمَّا عَارَضَهُ قَوْلُهُ : { مَنْ بَدَّلَ

المفصل في شرح حديث من بدل دينه فاقتلوه · الصفحة ٢٨٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في شرح حديث من بدل دينه فاقتلوهص ٢٨٦