تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

حَتَّى يَنْقَدِحَ الِاحْتِمَالُ , وَالْجَمْعُ بِهَذَا التَّقْدِيرِ مُمْكِنٌ , وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ , وَإِنْ بَعُدَ أَوْلَى مِنْ تَقْدِيرِ النَّسْخِ , وَلِلْقَاضِي أَنْ يَقُولَ : قَطْعُكُمْ بِأَنَّهُ أَرَادَ بِهِ الْجِنْسَيْنِ تَحَكُّمٌ لَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَاطِعٌ , وَيُخَالِفُ ظَاهِرَ اللَّفْظِ الْمُفِيدِ لِلظَّنِّ , وَالتَّحَكُّمُ بِتَقْدِيرٍ لَيْسَ يُعَضِّدُهُ دَلِيلٌ قَطْعِيٌّ , وَلَا ظَنِّيٌّ لَا وَجْهَ لَهُ . قُلْنَا : يَحْمِلُنَا عَلَيْهِ ضَرُورَةُ الِاحْتِرَازِ عَنْ النَّسْخِ , فَيَقُولُ : فَمَا الْمَانِعُ مِنْ تَقْدِيرِ النَّسْخِ , وَلَيْسَ فِي إثْبَاتِهِ ارْتِكَابُ مُحَالٍ , وَلَا مُخَالَفَةُ دَلِيلٍ قَطْعِيٍّ , وَلَا ظَنِّيٍّ ؟ , وَفِيمَا ذَكَرْتُمْ مُخَالَفَةُ صِيغَةِ الْعُمُومِ , وَدَلَالَةِ اللَّفْظِ , وَهُوَ دَلِيلٌ ظَنِّيٌّ , فَمَا هُوَ الْخَوْفُ , وَالْحَذَرُ مِنْ النَّسْخِ , وَإِمْكَانُهُ كَإِمْكَانِ الْبَيَانِ فَلَيْسَ أَحَدُهُمَا بِأَوْلَى مِنْ الْآخَرِ ؟ فَإِنْ قُلْنَا : الْبَيَانُ أَغْلَبُ عَلَى عَادَةِ الرَّسُولِ عليه السلام مِنْ النَّسْخِ , وَهُوَ أَكْثَرُ وُقُوعًا فَلَهُ أَنْ يَقُولَ : وَمَا الدَّلِيلُ عَلَى جَوَازِ الْأَخْذِ بِالِاحْتِمَالِ الْأَكْثَرِ ؟ وَإِذَا اشْتَبَهَتْ رَضِيعَةٌ بِعَشْرِ نِسْوَةٍ فَالْأَكْثَرُ حَلَالٌ , وَإِذَا اشْتَبَهَ إنَاءٌ نَجِسٌ بِعَشْرِ أَوَانٍ طَاهِرَةٍ فَلَا تَرْجِيحَ لِلْأَكْثَرِ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ الِاجْتِهَادِ , وَالدَّلِيلِ , وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَأْخُذَ وَاحِدًا , وَيُقَدِّرَ حِلَّهُ أَوْ طَهَارَتَهُ ; لِأَنَّ جِنْسَهُ أَكْثَرُ . لَكِنَّا نَقُولُ : الظَّنُّ عِبَارَةٌ عَنْ أَغْلَبِ الِاحْتِمَالَيْنِ , وَلَكِنْ لَا يَجُوزُ اتِّبَاعُهُ إلَّا بِدَلِيلٍ فَخَبَرُ الْوَاحِدِ لَا يُورِثُ إلَّا غَلَبَةَ الظَّنِّ مِنْ حَيْثُ إنَّ صِدْقَ الْعَدْلِ أَكْثَرُ , وَأَغْلَبُ مِنْ كَذِبِهِ وَصِيغَةُ الْعُمُومِ تُتَّبَعُ ; لِأَنَّ إرَادَةَ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ الظَّاهِرُ أَغْلَبُ , وَأَكْثَرُ مِنْ وُقُوعِ غَيْرِهِ , وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْفَرْعِ , وَالْأَصْلِ مُمْكِنٌ غَيْرُ مَقْطُوعٍ بِبُطْلَانِهِ فِي الْأَقْيِسَةِ الظَّنِّيَّةِ لَكِنَّ الْجَمْعَ أَغْلَبُ عَلَى الظَّنِّ , وَاتِّبَاعُ الظَّنِّ فِي هَذِهِ الْأُصُولِ لَا لِكَوْنِهِ ظَنًّا لَكِنْ لِعَمَلِ الصَّحَابَةِ بِهِ , وَاتِّفَاقِهِمْ عَلَيْهِ , فَكَذَا نَعْلَمُ مِنْ سِيرَةِ الصَّحَابَةِ أَنَّهُمْ مَا اعْتَقَدُوا كَوْنَ غَيْرِ الْقُرْآنِ مَنْسُوخًا مِنْ أَوَّلِهِ إلَى آخِرِهِ , وَلَمْ يَبْقَ فِيهِ عَامٌّ لَمْ يُخَصَّصْ إلَّا قوله تعالى : ﴿ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ , وَأَلْفَاظٌ نَادِرَةٌ , بَلْ قَدَّرُوا جُمْلَةَ ذَلِكَ بَيَانًا , وَوَرَدَ الْعَامُّ , وَالْخَاصُّ فِي الْأَخْبَارِ , وَلَا يَتَطَرَّقُ النَّسْخُ إلَى الْخَبَرِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ﴿ وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ ﴾ تَخْصِيصًا لقوله تعالى : ﴿ هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ ﴾ , وَتَخْصِيص قوله تعالى : ﴿ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ , وَ ﴿ تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا ﴾ , وَ ﴿ يُجْبَى إلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ , وَكَانُوا لَا يَنْسَخُونَ إلَّا بِنَصٍّ , وَضَرُورَةٍ أَمَّا بِالتَّوَهُّمِ فَلَا . وَلَعَلَّ السَّبَبَ أَنَّ فِي جَعْلِهِمَا مُتَضَادَّيْنِ إسْقَاطَهُمَا إذَا لَمْ يُظْهِرْ التَّارِيخُ , وَفِي جَعْلِهِ بَيَانًا اسْتِعْمَالَهُمَا , وَإِذَا تَخَيَّرْنَا بَيْنَ الِاسْتِعْمَالِ , وَالْإِسْقَاطِ فَالِاسْتِعْمَالُ هُوَ الْأَصْلُ , وَلَا يَجُوزُ الْإِسْقَاطُ إلَّا لِضَرُورَةٍ تَنْبِيهٌ : اعْلَمْ أَنَّ الْقَاضِيَ أَيْضًا إنَّمَا يُقَدِّرُ النَّسْخَ بِشَرْطِ أَنْ لَا يُظْهِرَ دَلَالَةً عَلَى إرَادَةِ الْبَيَانِ , مِثَالُهُ قَوْلُهُ : ﴿ لَا تَنْتَفِعُوا مِنْ الْمَيْتَةِ بِإِهَابٍ , وَلَا عَصَبٍ ﴾ عَامٌّ يُعَارِضُهُ خُصُوصُ قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم : ﴿ أَيُّمَا إهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ ﴾ ; لَكِنَّ الْقَاضِيَ يُقَدِّرُهُ نَسْخًا بِشَرْطَيْنِ أَحَدُهُمَا : أَنْ لَا يَثْبُتَ فِي اللِّسَانِ اخْتِصَاصُ اسْمِ الْإِهَابِ بِغَيْرِ الْمَدْبُوغِ فَقَدْ قِيلَ : مَا لَمْ يُدْبَغْ الْجِلْدُ يُسَمَّى إهَابًا فَإِذَا دُبِغَ فَأَدِيمٌ وَصَرْمٌ , وَغَيْرُهُ , فَإِنْ صَحَّ هَذَا فَلَا تَعَارُضَ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ . الثَّانِي : أَنَّهُ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ عليه السلام مَرَّ بِشَاةٍ لِمَيْمُونَةَ مَيِّتَةٍ فَقَالَ : ﴿ أَلَا أَخَذُوا إهَابَهَا فَدَبَغُوهُ , وَانْتَفَعُوا بِهِ ﴾ وَكَانُوا قَدْ تَرَكُوهَا لِكَوْنِهَا مَيْتَةً , ثُمَّ كَتَبَ ﴿ لَا تَنْتَفِعُوا مِنْ الْمَيْتَةِ بِإِهَابٍ , وَلَا عَصَبٍ ﴾ فَسَاقَ الْحَدِيثَ سِيَاقًا يُشْعِرُ بِأَنَّهُ جَرَى مُتَّصِلًا , فَيَكُونُ بَيَانًا لَا نَاسِخًا ; لِأَنَّ شَرْطَ النَّسْخِ التَّرَاخِي . الْمَرْتَبَةُ الثَّالِثَةُ مِنْ التَّعَارُضِ : أَنْ يَتَعَارَضَ عُمُومَانِ , فَيَزِيدُ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ مِنْ وَجْهٍ , وَيَنْقُصُ عَنْهُ مِنْ وَجْهٍ , مِثَالُهُ قَوْلُهُ : عليه السلام ﴿ مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ ﴾ فَإِنَّهُ يَعُمُّ النِّسَاءَ , مَعَ قَوْلِهِ : ﴿ نُهِيتُ عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ ﴾ فَإِنَّهُ يَعُمُّ الْمُرْتَدَّاتِ , وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ : { نُهِيتُ عَنْ الصَّلَاةِ بَعْدَ

المفصل في شرح حديث من بدل دينه فاقتلوه · الصفحة ١٦٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في شرح حديث من بدل دينه فاقتلوهص ١٦٢