الْعَصْرِ } فَإِنَّهُ يَعُمُّ الْفَائِتَةَ أَيْضًا , مَعَ قَوْلِهِ ﴿ مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذَكَرَهَا ﴾ فَإِنَّهُ يَعُمُّ الْمُسْتَيْقِظَ بَعْدَ الْعَصْرِ . , وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ : ﴿ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ ﴾ فَإِنَّهُ يَشْمَلُ جَمْعَ الْأُخْتَيْنِ فِي مِلْكِ الْيَمِينِ أَيْضًا مَعَ قَوْلِهِ : ﴿ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ﴾ فَإِنَّهُ يَحِلُّ الْجَمْعُ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ بِعُمُومِهِ , فَيُمْكِنُ أَنْ يُخَصَّصَ قَوْلُهُ : ﴿ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ ﴾ بِجَمْعِ الْأُخْتَيْنِ فِي النِّكَاحِ دُونَ مِلْكِ الْيَمِينِ لِعُمُومِ قَوْلِهِ : ﴿ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ﴾ فَهُوَ عَلَى مَذْهَبِ الْقَاضِي تَعَارُضٌ , وَتَدَافُعٌ بِتَقْدِيرِ النَّسْخِ , وَيَشْهَدُ لَهُ قَوْلُ عَلِيٍّ , وَعُثْمَانَ رضي الله عنهما لَمَّا سُئِلَا عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَعْنِي : جَمْعَ أُخْتَيْنِ فِي مِلْكِ الْيَمِينِ فَقَالَا : " حَرَّمَتْهُمَا آيَةٌ , وَحَلَّلَتْهُمَا آيَةٌ " . أَمَّا عَلَى مَذْهَبِنَا فِي حَمْلِهِ عَلَى الْبَيَانِ مَا أَمْكَنَ لَيْسَ أَيْضًا أَحَدُهُمَا بِأَوْلَى مِنْ الْآخَرِ مَا لَمْ يَظْهَرْ تَرْجِيحٌ , وَقَدْ ظَهَرَ , فَنَقُولُ : حِفْظُ عُمُومِ قَوْلِهِ : ﴿ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ ﴾ أَوْلَى لِمَعْنَيَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ عُمُومٌ لَمْ يَتَطَرَّقْ إلَيْهِ تَخْصِيصٌ مُتَّفَقٌ فَهُوَ أَقْوَى مِنْ عُمُومٍ تَطَرَّقَ إلَيْهِ التَّخْصِيصُ بِالِاتِّفَاقِ , إذْ قَدْ اُسْتُثْنِيَ عَنْ تَحْلِيلِ مِلْكِ الْيَمِينِ الْمُشْتَرَكَةِ وَالْمُسْتَبْرَأَةِ , وَالْمَجُوسِيَّةِ , وَالْأُخْتِ مِنْ الرَّضَاعِ , وَالنَّسَبِ , وَسَائِرِ الْمُحَرَّمَاتِ , أَمَّا الْجَمْعُ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ فَحَرَامٌ عَلَى الْعُمُومِ الثَّانِي : أَنَّ قَوْلَهُ : ﴿ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ ﴾ سِيقَ بَعْدَ ذِكْرِ الْمُحَرَّمَاتِ , وَعَدِّهَا عَلَى الِاسْتِقْصَاءِ إلْحَاقًا لِمُحَرَّمَاتٍ تَعُمُّ الْحَرَائِرَ , وَالْإِمَاءَ , وَقَوْلُهُ : ﴿ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ﴾ مَا سِيقَ لِبَيَانِ الْمُحَلَّلَاتِ قَصْدًا بَلْ فِي مَعْرَضِ الثَّنَاءِ عَلَى أَهْلِ التَّقْوَى الْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ عَنْ غَيْرِ الزَّوْجَاتِ , وَالسَّرَارِي فَلَا يَظْهَرُ مِنْهُ قَصْدُ الْبَيَانِ . فَإِنْ قِيلَ : هَلْ يَجُوزُ أَنْ يَتَعَارَضَ عُمُومَانِ , وَيَخْلُوَا عَنْ دَلِيلِ التَّرْجِيحِ ؟ قُلْنَا قَالَ قَوْمٌ : لَا يَجُوزُ ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى التُّهْمَةِ , وَوُقُوعِ الشُّبْهَةِ لِتَنَاقُضِ الْكَلَامَيْنِ , وَهُوَ مُنَفِّرٌ عَنْ الطَّاعَةِ , وَالِاتِّبَاعِ , وَالتَّصْدِيقِ , وَهَذَا فَاسِدٌ بَلْ ذَلِكَ جَائِزٌ , وَيَكُونُ ذَلِكَ مُبَيَّنًا لِأَهْلِ الْعَصْرِ الْأَوَّلِ , وَإِنَّمَا خَفِيَ عَلَيْنَا لِطُولِ الْمُدَّةِ , وَانْدِرَاسِ الْقَرَائِنِ , وَالْأَدِلَّةِ , وَيَكُونُ ذَلِكَ مِحْنَةً , وَتَكْلِيفًا عَلَيْنَا لِنَطْلُبَ الدَّلِيلَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ مِنْ تَرْجِيحٍ أَوْ نَتَخَيَّرَ , وَلَا تَكْلِيفَ فِي حَقِّنَا إلَّا بِمَا بَلَغَنَا فَلَيْسَ فِيهِ مُحَالٌ , وَأَمَّا مَا ذَكَرُوهُ مِنْ التَّنْفِيرِ , وَالتُّهْمَةِ فَبَاطِلٌ , ; لِأَنَّ ذَلِكَ قَدْ نَفَّرَ طَائِفَةً مِنْ الْكُفَّارِ فِي وُرُودِ النَّسْخِ حَتَّى قَالَ تَعَالَى : ﴿ وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ ﴾ الْآيَةَ , ثُمَّ ذَلِكَ لَمْ يَدُلَّ عَلَى اسْتِحَالَةِ النَّسْخِ .
==================
الْقِسْمُ الْأَوَّلُ إثْبَاتُ الْعِلَّةِ بِأَدِلَّةٍ نَقْلِيَّةٍ وَجُمْلَةُ الْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ تَرْجِعُ إلَى أَلْفَاظِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ وَالِاسْتِنْبَاطِ فَنَحْصُرُهُ فِي ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ : (1)
(1) - المستصفى - (ج 2 / ص 273)