تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وَفِيهِ فُصُولٌ : الْفَصْلُ الْأَوَّلُ : فِي التَّعَارُضِ . اعْلَمْ أَنَّ الْمُهِمَّ الْأَوَّلَ مَعْرِفَةُ مَحَلِّ التَّعَارُضِ , فَنَقُولُ كُلُّ مَا دَلَّ الْعَقْلُ فِيهِ عَلَى أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ فَلَيْسَ لِلتَّعَارُضِ فِيهِ مَجَالٌ إذْ الْأَدِلَّةُ الْعَقْلِيَّةُ يَسْتَحِيلُ نَسْخُهَا , وَتَكَاذُبُهَا , فَإِنْ وَرَدَ دَلِيلٌ سَمْعِيٌّ عَلَى خِلَافِ الْعَقْلِ فَإِمَّا أَنْ لَا يَكُونَ مُتَوَاتِرًا فَيُعْلَمُ أَنَّهُ غَيْرُ صَحِيحٍ , وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مُتَوَاتِرًا , فَيَكُونَ مُؤَوَّلًا , وَلَا يَكُونَ مُتَعَارِضًا . وَأَمَّا نَصٌّ مُتَوَاتِرٌ لَا يَحْتَمِلُ الْخَطَأَ , وَالتَّأْوِيلَ , وَهُوَ عَلَى خِلَافِ دَلِيلِ الْعَقْلِ فَذَلِكَ مُحَالٌ ; لِأَنَّ دَلِيلَ الْعَقْلِ لَا يَقْبَلُ النَّسْخَ , وَالْبُطْلَانَ , مِثَالُ ذَلِكَ الْمُؤَوَّلُ فِي الْعَقْلِيَّاتِ قوله تعالى : ﴿ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ إذْ خَرَجَ بِدَلِيلِ الْعَقْلِ ذَاتُ الْقَدِيمِ وَصِفَاتُهُ , وَقَوْلُهُ : ﴿ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ دَلَّ الْعَقْلُ عَلَى عُمُومِهِ , وَلَا يُعَارِضُهُ قوله تعالى : ﴿ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ ﴾ إذْ مَعْنَاهُ مَا لَا يَعْلَمُ لَهُ أَصْلًا أَيْ : يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا أَصْلَ لَهُ , وَلَا يُعَارِضُهُ قوله تعالى : ﴿ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ ﴾ إذْ مَعْنَاهُ أَنَّهُ يَعْلَمُ الْمُجَاهَدَةَ كَائِنَةً , وَحَاصِلَةً , وَفِي الْأَزَلِ لَا يُوصَفُ عِلْمُهُ بِتَعَلُّقِهِ بِحُصُولِ الْمُجَاهَدَةِ قَبْلَ حُصُولِهَا . وَكَذَلِكَ قوله تعالى : ﴿ وَتَخْلُقُونَ إفْكًا ﴾ لَا يُعَارِضُ قَوْلَهُ : ﴿ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ ; لِأَنَّ الْمَعْنِيَّ بِهِ الْكَذِبُ دُونَ الْإِيجَادِ , وَكَذَلِكَ قوله تعالى : ﴿ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنْ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ ﴾ ; لِأَنَّ مَعْنَاهُ تُقَدِّرُ وَالْخَلْقُ هُوَ التَّقْدِيرُ , وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ : ﴿ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ﴾ أَيْ : الْمُقَدِّرِينَ , وَهَكَذَا أَبَدًا تَأْوِيلُ مَا خَالَفَ دَلِيلَ الْعَقْلِ أَوْ خَالَفَ دَلِيلًا شَرْعِيًّا دَلَّ الْعَقْلُ عَلَى عُمُومِهِ . أَمَّا الشَّرْعِيَّاتُ فَإِذَا تَعَارَضَ فِيهَا دَلِيلَانِ فَإِمَّا أَنْ يَسْتَحِيلَ الْجَمْعُ أَوْ يُمْكِنَ , فَإِنْ امْتَنَعَ الْجَمْعُ لِكَوْنِهِمَا مُتَنَاقِضَيْنِ كَقَوْلِهِ مَثَلًا ﴿ مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ ﴾ مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَلَا تَقْتُلُوهُ . ﴿ لَا يَصِحُّ نِكَاحٌ بِغَيْرِ وَلِيٍّ ﴾ , " يَصِحُّ نِكَاحٌ بِغَيْرِ وَلِيٍّ " . فَمِثْلُ هَذَا لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا نَاسِخًا , وَالْآخَرُ مَنْسُوخًا , فَإِنْ أَشْكَلَ التَّارِيخُ فَيُطْلَبُ الْحُكْمُ مِنْ دَلِيلٍ آخَرَ , وَيُقَدَّرُ تَدَافُعُ النَّصَّيْنِ , فَإِنْ عَجَزْنَا عَنْ دَلِيلٍ آخَرَ فَنَتَخَيَّرُ الْعَمَلَ بِأَيِّهِمَا شِئْنَا ; لِأَنَّ الْمُمْكِنَاتِ أَرْبَعَةٌ : الْعَمَلُ بِهِمَا , وَهُوَ مُتَنَاقِضٌ , أَوْ اطِّرَاحُهُمَا , وَهُوَ إخْلَاءُ الْوَاقِعَةِ عَنْ الْحُكْمِ , وَهُوَ مُتَنَاقِضٌ , أَوْ اسْتِعْمَالُ وَاحِدٍ بِغَيْرِ مُرَجِّحٍ , وَهُوَ تَحَكُّمٌ , فَلَا يَبْقَى إلَّا التَّخَيُّرُ الَّذِي يَجُوزُ وُرُودُ التَّعَبُّدِ بِهِ ابْتِدَاءً فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَوْ كَلَّفَنَا وَاحِدًا بِعَيْنِهِ لَنَصَّبَ عَلَيْهِ دَلِيلًا , وَلَجَعَلَ لَنَا إلَيْهِ سَبِيلًا , إذْ لَا يَجُوزُ تَكْلِيفٌ بِالْمُحَالِ . , وَفِي التَّخْيِيرِ بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ الْمُتَعَارِضَيْنِ مَزِيدُ غَوْرٍ سَنَذْكُرُهُ فِي كِتَابِ الِاجْتِهَادِ عِنْدَ تَخَيُّرِ الْمُجْتَهِدِ , وَتَحَيُّرِهِ . أَمَّا إذَا أَمْكَنَ الْجَمْعُ بِوَجْهٍ مَا فَهُوَ عَلَى مَرَاتِبَ : الْمَرْتَبَةُ الْأُولَى : عَامٌّ , وَخَاصٌّ , كَقَوْلِهِ عليه السلام : ﴿ فِيمَا سَقَتْ السَّمَاءُ الْعُشْرُ ﴾ مَعَ قَوْلِهِ : ﴿ لَا صَدَقَةَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ ﴾ فَقَدْ ذَكَرْنَا مِنْ مَذْهَبِ الْقَاضِي أَنَّ التَّعَارُضَ وَاقِعٌ لِإِمْكَانِ كَوْنِ أَحَدِهِمَا نَسْخًا بِتَقْدِيرِ إرَادَةِ الْعُمُومِ بِالْعَامِّ , وَالْمُخْتَارُ أَنْ يُجْعَلَ بَيَانًا , وَلَا يُقَدَّرُ النَّسْخُ إلَّا لِضَرُورَةٍ فَإِنَّ فِيهِ تَقْدِيرَ دُخُولِ مَا دُونَ النِّصَابِ تَحْتَ وُجُوبِ الْعُشْرِ ثُمَّ خُرُوجِهِ مِنْهُ , وَذَلِكَ لَا سَبِيلَ إلَى إثْبَاتِهِ بِالتَّوَهُّمِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ . الْمَرْتَبَةُ الثَّانِيَةُ : وَهِيَ قَرِيبَةٌ مِنْ الْأُولَى : أَنْ يَكُونَ اللَّفْظُ الْمُؤَوَّلُ قَوِيًّا فِي الظُّهُورِ بَعِيدًا عَنْ التَّأْوِيلِ لَا يَنْقَدِحُ تَأْوِيلُهُ إلَّا بِقَرِينَةٍ , فَكَلَامُ الْقَاضِي فِيهِ أَوْجَهُ , وَمِثَالُهُ قَوْلُهُ : عليه السلام : ﴿ إنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ ﴾ كَمَا رَوَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ , فَإِنَّهُ كَالصَّرِيحِ فِي نَفْيِ رِبَا الْفَضْلِ , وَرِوَايَةُ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ فِي قَوْلِهِ : ﴿ الْحِنْطَةُ بِالْحِنْطَةِ مِثْلًا بِمِثْلٍ ﴾ صَرِيحٌ فِي إثْبَاتِ رِبَا الْفَضْلِ , فَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا نَاسِخًا لِلْآخَرِ , وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ : ﴿ إنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ ﴾ أَيْ : فِي مُخْتَلِفَيْ الْجِنْسِ , وَيَكُونُ قَدْ خَرَجَ عَلَى سُؤَالٍ خَاصٍّ عَنْ الْمُخْتَلِفَيْنِ أَوْ حَاجَةٍ خَاصَّةٍ

المفصل في شرح حديث من بدل دينه فاقتلوه · الصفحة ١٦١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في شرح حديث من بدل دينه فاقتلوهص ١٦١