تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

21.…عن أنسٍ أن رجلاً كان يُتهم بأم ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي:" اذهب فاضرب عنقه. فأتاه علي فإذا هو في ركي يتبرد فيها، فقال له علي: اخرج، فناوله يده فأخرجه فإذا هو مجبوبٌ ليس له ذَكَر، فكفَّ علي عنه، ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إنه لمجبوبٌ ما له ذَكَر"، قال أبو محمد ابن حزم الظاهري رحمه الله:" هذا خبرٌ صحيح، وفيه أن من آذى النبي صلى الله عليه وسلم وجبَ قتلُه، وإن كان لو فعل ذلك برجلٍ من المسلمين لم يجب بذلك قتله". وقد كان الصحابة رضوان الله عليهم يعملون بهذا التحريم، كما قال ابن تيمية رحمه الله:"ويدل على ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج قيلة بنت قيس بن معدي كرب أخت الأشعث ومات قبل أن يدخل بها وقبل أن تقدم عليه، وقيل أنه خيرها بين أن يضرب عليها الحجاب وتحرم على المؤمنين، وبين أن يطلقها فتنكح من شاءت فاختارت النكاح، قالوا: فلما مات النبي صلى الله عليه وسلم تزوجها عكرمة بن أبي جهل بحضرموت، فبلغ أبا بكر فقال: لقد هممت أن أحرق عليهما بيتهما. فقال عمر : ما هي من أمهات المؤمنين ولا دخل بها ولا ضرب عليها الحجاب، وقيل إنها ارتدت فاحتج عمر على أبي بكر أنها ليست من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم بارتدادها. فوجه الدلالة أن الصدِّيق رضى الله عنه عزم على تحريقها وتحريق من تزوجها لما رأى أنها من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم حتى ناظره عمر أنها ليست من أزواجه فكف عنهما لذلك، فعُلم أنهم – أي الصحابة - كانوا يرون قتل من استحل حرمة رسول الله صلى الله عليه وسلم". قلت: فإذا كانوا يرون هذا فيمن نكح أحد أزواجه صلى الله عليه وسلم وهذا مما يجوز معاملة المسلمين بعضهم بعضاً به لكن حرمه الله تعالى عليهم مع أزواج النبي صلى الله عليه وسلم حرمة له كما تقدم، فكيف بمن سبه وآذاه وشتمه وتنقصه وطعن في عرضه ونسبه إلى الكذب أو الشر أو الفحش حاشاه بأبي وأمي هو صلوات الله وسلامه عليه، أليس القتل والتحريق لهؤلاء المجرمين بالجزاء المناسب لهم في الدنيا، ونكلهم إلى عذاب الله في الآخرة.

فهذه عشرة أحاديث وآثار ما بين صحيح وحسن يدل كل منها منفرداً على حكم ساب رسول الله صلى الله عليه وسلم فكيف بها مجتمعة، وكيف بها منضمة إلى ما تقدم من آياتٍ قرآنية لاتدع مجالاً لريبة أو شك إلا عند من تمكنت الريبة والشك من قلبه فهو أشبه بمريض أعضل مرضه فبات مستعصياً على الدواء، لا لعلةٍ في الدواء وإنما لفسادٍ في نفسه وخبثٍ في سريرته نسأل الله السلامة والعافية من ذلك كله. هذا مع العلم بأن السنة لا تزال طافحة بعشرات الأمثلة من جنس ما قدمنا، غير أني اقتصرت على المذكور بغية الاكتفاء بما لا مقال في ثبوته من جهة السند ولا غموض في دلالته من جهة المتن، واجتناباً للتطويل حيث وضعنا هذا الكتاب على الاختصار كما بينا. وأشير إلى أن من أراد تفصيلاً زائداً عما قدمنا بالنسبة للأحاديث أو أوجه الدلالة منها أو رد شبهات مثارة عليها فليعد إلى كتاب الصارم المسلول فإنه لم يترك شاردة ولا واردة مما ذكرنا، وهو أليق بطالب العلم الذي يهتم بوجوه الاستدلال والاستنباط ونحوها، فليرجع إليه من احتاج، والله الموفق.

ثالثاً: دليل الإجماع على انتقاض إيمان وأمان الساب لرسول الله صلى الله عليه وسلم ووجوب قتله:

لقد دل دليل الإجماع أيضاً على أن ساب الرسول صلى الله عليه وسلم حلال الدم لا إيمان له ولا أمان، ولئن كان الإجماع المنضبط هو إجماع عصر الصحابة رضوان الله عليهم، فحسبنا به إجماعاً في مسألتنا هذه، فهم أعلم بمقام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحرص على حبه وأصدق في تفديته بالأرواح والأهلون والعشائر والأوطان، وفيما يلي بعض أقوال أهل العلم في هذه المسألة:

19.…قال القاضي عياض رحمه الله تعالى:"اعلم وفقنا الله وإياك أن جميع من سب النبي صلى الله عليه وسلم أو عابه، أو ألحق به نقصاً في نفسه أو نسبه أو دينه، أو خصلة من خصاله، أو عرَّض به، أو شبَّهه بشيء على طريق السب له أو الإزراء عليه، أو التصغير لشأنه، أو الغض منه، والعيب له، فهو سابٌّ له، والحكم فيه خكم السابِّ ؛ يُقتل على ما نبينه، ولا نستثني فصلاً من فصول هذا الباب على هذا المقصد، ولا نمتري فيه تصريحاً كان أو تلويحاً. وكذلك مَن لعنه أو دعا عليه، أو تمنى له مضرة، أو نسب إليه ما لا يليق بمنصبه على طريق الذم، أو عبث في جهته العزيزة بسُخفٍ من الكلام وهُجر، ومنكر من القول وزور، أو عيَّره بشيء مما جرى من البلاء والمحنة عليه، أو غمصه ببعض العوارض البشرية الجائزة والمعهودة لديه، وهذا كله إجماعٌ من العلماء وأئمة الفتوى من لدن الصحابة رضوان الله عليهم إلى هلم جرا"

20.…قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :"والدلالة على انتقاض عهد الذمي بسب الله أو كتابه أو دينه أو رسوله ووجوب قتله، وقتل المسلم إذا أتى ذلك الكتاب والسنة وإجماع الصحابة والتابعين والاعتبار".، فذكر رحمه الله إجماع الصحابة والتابعين على هذه المسألة.

21.…قال ابن حزم الظاهري رحمه الله:" فصح بهذا أن كل من آذى رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو كافرٌ مرتدٌ يُقتل ولا بد، وبالله تعالى التوفيق"

22.…قال ابن المنذر رحمه الله :" وأجمعوا على أن على من سب النبي صلى الله عليه وسلم القتل"

المفصل في شرح الشروط العمرية · الصفحة ٦٠٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في شرح الشروط العمريةص ٦٠٩