19.…عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال:"بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبي رافع اليهودي رجالاً من الأنصار، فأمَّر عليهم عبد الله بن عتيك، وكان أبو رافع يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم ويعينُ عليه، وكان في حصنٍ له بأرض الحجاز، فلما دنوا منه وقد غربت الشمس وراح الناس بسرحهم فقال عبد الله لأصحابه: اجلسوا مكانكم، فإني منطلقٌ ومتلطفٌ للبوّاب لعلّي أن أدخل. فأقبلَ حتى دنا من الباب، ثم تقنع بثوبه كأنه يقضي حاجة وقد دخل الناس، فهتف به البواب: يا عبد الله، إن كنت تريد أن تدخل فادخل فإني أريد أن أغلق الباب، فدخلتُ فكمنتُ، فلما دخل الناس أغلقَ الباب ثم علّق الأغاليق على وتد، قال: فقمت إلى الأقاليد فأخذتها ففتحت الباب، وكان أبو رافع يُسمر عنده، وكان في علالي له، فلما ذهب عنه أهل سَمَرِه صعدت إليه، فجعلت كلما فتحت باباً أغلقت عليَّ مِن داخل، قلت: إنِ القوم نُذِرُوا بي لم يخلصوا إلي حتى أقتله، فانتهيت إليه فإذا هو في بيت مظلم وسط عياله لا أدري أين هو من البيت، فقلت: يا أبا رافع! قال: مَن هذا؟ فأهويت نحو الصوت فأضربه ضربة بالسيف وأنا دهش فما أغنيت شيئاً، وصاح فخرجت من البيت، فأمكث غير بعيد ثم دخلت إليه فقلت: ما هذا الصوت يا أبا رافع؟ فقال: لأمك الويل، إن رجلاً في البيت ضربني قبل بالسيف. قال: فأضربه ضربةً أثخنته ولم أقتله، ثم وضعت ظبة السيف في بطنه حتى أخذ في ظهره فعرفت أني قتلته، فجعلت أفتح الأبواب باباً باباً حتى انتهيت إلى درجة له، فوضعت رجلي وأنا أرى أني قد انتهيت إلى الأرض، فوقعت في ليلة مقمرة، فانكسرت ساقي فعصبتها بعمامة، ثم انطلقت حتى جلست على الباب، فقلت: لا أخرج الليلة حتى أعلم أقتلته. فلما صاح الديك قام الناعي على السور فقال: أنعى أبا رافع تاجر أهل الحجاز. فانطلقت إلى أصحابي فقلت: النجاء، فقد قتل الله أبا رافع، فانتهيت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فحدثته، فقال: ابسط رجلك، فبسطت رجلي، فمسحها فكأنها لم أشتكها قط"، وفي هذا الحديث الصحيح جملة نافعة من الفوائد جمعها الحافظ ابن حجر ولمعظمها تعلق بمسألتنا مع دخول مسألتنا في جملة هذه الفوائد حيث قال رحمه الله:"وفي هذا الحديث من الفوائد: جواز اغتيال المشرك الذي بلغته الدعوة وأصرّ، وقتلِ من أعان على رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده – يعني بمقاتلته - أو ماله – يعني بدعم من يحارب رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو لسانه – يعني بالسب والأذى والتحريض ونحوه ، وجواز التجسيس على أهل الحرب، وتطلُّب غرتهم، والأخذ بالشدة في محاربة المشركين، وجواز إبهام القول للمصلحة، وتعرُّض القليل من المسلمين للكثير من المشركين، حيث أرسل سرية من نفر يسير إلى حصن من حصون الكفار، والحكم بالدليل والعلامة حيث استدل ابن عتيك على أبي رافع بصوته، واعتمد على صوت الناعي بموته والله أعلم". قال ابن تيمية رحمه الله :" فقد تبين من هذه القصة أنما تسرى المسلمون بقتله بإذن النبي صلى الله عليه وسلم، بسبب أذاه للنبي صلى الله عليه وسلم ومعاداته له، وأنه كان نظير ابن الأشرف وقد تقدمت قصته، لكن ابن الأشرف كان معاهداً فآذى اللهَ ورسولهَ فندب المسلمين إلى قتله، وهذا لم يكن معاهداً. فهذه الأحاديث كلها تدل على أن من كان يسب النبي صلى الله عليه وسلم ويؤذيه من الكفار، فإنه كان يقصد قتلَه ويحض عليه لأجل ذلك، وكذلك أصحابه يفعلون ذلك بأمره، مع كفِّه عن غيره من الكفار ممن هو على مثل حاله في أنه كافرٌ غير معاهد، بل مع أمانه لأولئك الكفار غير السابين ولا الشاتمين أو إحسانه إليهم من غير عهدٍ بينه وبينهم"، قلت: أي أن سيرة النبي صلى الله عليه وسلم مع الكفار حتى الحربيين منهم غير المؤذين باللسان والسب والشتم والتحريض كانت سيرة معاملة بإحسان ولو لم يكن بينه وبينهم عهد، فعُلم أن معاملة القتل وإرسال السرايا وراء أمثال أبي رافع إنما كان لمعنى زائد عن الكفر وهو أذية رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو المطلوب.
20.…قصة قتل أبي عفك اليهودي: روى ابن سعد رحمه الله في طبقاته :"ثم سرية سالم بن عمير العمري إلى أبي عفك اليهودي في شوال على رأس عشرين شهراً من مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم: وكان أبو عفك من بني عمرو بن عوف شيخاً كبيراً قد بلغ عشرين ومائة سنة، وكان يهودياً وكان يحرِّض على رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقول الشعر. فقال سالم بن عمير - وهو أحد البكائين وقد شهد بدراً – : عليَّ نذرٌ أن أقتل أبا عفك أو أموت دونه، فأمهل يطلب له غرة، حتى كانت ليلة صائفة، فنام أبو عفك بالفناء وعلم به سالم بن عمير، فأقبل فوضع السيف على كبده ثم اعتمد عليه حتى خش في الفراش، وصاح عدو الله فثاب إليه ناس ممن هم على قوله، فأدخلوه منزله وقبروه"، فهذا آخرٌ ممن كان يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشعر والهجاء ويحرض عليه، قد نذر أحد الصحابة قتله وفعل ذلك من غير نكير من الله سبحانه وتعالى ولا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدل على أن شاتم رسول الله صلى الله عليه وسلم لا إيمان له ولا أمان وإنما له السيف يقتل مهدور الدم كما تقتل البهائم، بل إن البهائم فيها ضمان القيمة على من أتلفها وليس على قاتل مثل هذا المجرم شيء، فتأمل.