تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

23.…قال ابن عبد البر رحمه الله:" وقد روي عن ابن عمر أنه قيل له في راهبٍ سب النبي صلى الله عليه وسلم، قال: لو سمعته لقتلته. ولا مخالف له من الصحابة علمته"، فهذا حكاية إجماع الصحابة على قتل الساب للنبي صلى الله عليه وسلم.وقال رحمه الله أيضاً:"وقد أجمع العلماء أن من سب الله عز وجل أو سب رسول الله صلى الله عليه وسلم أو دفع شيئاً أنزله الله أو قتل نبياً من أنبياء الله وهو مع ذلك مقرٌ بما أنزل الله أنه كافر".

ونقل عن غيرهم من العلماء ذلك، ومن الجدير بالذكر أن الإجماع المقصود هنا هو إجماع الصدر الأول من الصحابة والتابعين، ثم نُقل خلافٌ بين الفقهاء يتعلق بالذمي وهو خلافٌ يعود إلى مسألة انتقاض العهد وموجبات ذلك، مع ملاحظة اتفاق الجميع على انتقاض العهد، ولقد قدمنا من الآيات والأحاديث ما فيه غنية ومستند لما قرره العلماء من انتقاض إيمان وأمان من سب النبي صلى الله عليه وسلم وإهدار دمه والحض على قتله بما أغنى عن الإعادة، ثم عندما تقوم دولة الإسلام من جديد وتتمحض لنا فئة أهل الذمة بالوصف الشرعي الصحيح فيمكن النظر في تعدد أقوال العلماء في موجبات انتقاض عهد الذمي بالسب وهل يُقتل حداً أو تعزيراً على تفصيل مبسوط في مظانه من كتب الفقه، أما وحالنا اليوم حال الفسطاطين؛ فسطاط المسلمين وفسطاط الكافرين فلسنا ممن يتوقف في حكم الكافر الحربي الساب لرسول الله صلى الله عليه وسلم والعمل بإجماع الصحابة رضوان الله عليهم في أمثال هؤلاء المجرمين، والله الموفق.

وبهذا يكون قد اجتمع بفضل الله تعالى ومنته دليل القرآن والسنة وإجماع الصحابة والتابعين على أن من سب رسول الله صلى الله عليه وسلم بأي نوع من أنواع السب والشتم والأذى المعنوي فإنه كافرٌ لا إيمان له ولا أمان وهو حلال الدم مهدره والشريعة تحرض على قتله والسنة دالة على جواز تعرض الفئة القليلة من المسلمين للفئة الكبيرة من الكافرين تحصيلاً للظفر بالساب وقتله والوصول إليه بكل حيلة، وهذا ما ندين لله تعالى به ونراه حقاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم علينا، والله أعلم.

المطلب الثاني : بيان الأدلة على تعيُّن قتل الساب وعدم صلاح أية عقوبة أُخرى معه:

لقد تبين مما تقدم أمران ؛ أحدهما أن ساب النبي صلى الله عليه وسلم كافرٌ لا إيمان له ولا أمان بغض النظر عن حاله قبل وقوع السب مسلماً كان أم ذمياً أم مستأمناً أم حربياً، فقد صار حاله بعد السب حالاً واحداً وهو الكفر وانتقاض الأمن والإيمان، وثانيهما إهدار دمه عقوبةً له على هذه الجريمة. ولما كان حكم الإمام المسلم في الكافر التخيير بين القتل والاسترقاق والمن والفداء، كما كان حال المرتد المبدِّل لدينه المفارق للجماعة الاستتابة قبل القتل كان من المهم بيان عدم تناول هذه الخيارات للساب وذلك لعظم جريمته كما تقدم. ونبين هنا أن القتل هو العقوبة الوحيدة المناسبة والمتعينة على ساب الرسول صلى الله عليه وسلم ثم نتكلم في المطلب الثالث عن حكم استتابة وتوبة الساب بإذن الله .

ولقد تكلم شيخ الإسلام ابن تيمية على مسألة تعيُّن قتل الذمي الساب فأجاد وأفاد رحمه الله، ونحن لن نفصل كثيراً في دقائق أحكام أهل الذمة وتعدد أقوال الفقهاء فيهم فإن ذلك مبسوط في مظانه، ولكن نتكلم إن شاء الله على الأدلة التي تحتم قتل الساب وعدم مناسبة غيره من العقوبات كالجلد أو الاسترقاق وعدم جواز غير ذلك من التصرفات الجائزة للإمام المسلم مع الأسرى الكفار غير السابين والشاتمين للنبي صلى الله عليه وسلم كالمن والفداء، وأنبه هنا على أن الخلاف بين الفقهاء خلاف متأخر عن عصر الصحابة كما قدمنا في مبحث الإجماع، كما أنه خلاف حول تحتم القتل لا حول جواز القتل فلينتبه إلى هذا الفارق حتى لا يظن ظان أن ثمة خلاف في جواز قتل الساب وإهدار دمه كما تقدم من أدلة القرآن والسنة.

أدلة تحتم قتل الساب وتعيُّن هذه العقوبة:

إن كل ما نذكره في هذا الموضع من الأدلة أو من وجوه الاستدلال على المطلوب فهو بالإضافة إلى الأدلة المتقدمة في المطلب الأول، حيث إن الأدلة المتقدمة كلها تفيد الدلالة على المطلوب لمن تأملها جيداً، ونزيدها بما يلي :

المفصل في شرح الشروط العمرية · الصفحة ٦١٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في شرح الشروط العمريةص ٦١٠