تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأرجح الأقوال - فيما يظهر - التفصيل، وهو وجوب الدعوة إلى الإسلام في حق من لم تبلغهم قبل القتال، لأنهم حينئذ لا يدرون على ماذا يقاتلون؟ وقد يفسرون مقاتلهم أنها من أجل نهب أموالهم ونحو ذلك، وإقامة الحجة واجبة لقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء:15].ويدل على هذا حديث بريدة: السابق

واستحباب الدعوة إلى الإسلام قبل القتال في حق من بلغتهم قبل ذلك ولم يخشَ معاجلتهم المسلمين أو فواتهم عليهم، مبالغة في الإنذار الذي قد يهدي الله به القوم، ويدل على هذا أن يهود خيبر كانوا قد بلغتهم الدعوة، فعَنْ أَبِي حَازِمٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ يَوْمَ خَيْبَرَ: «لَأُعْطِيَنَّ هَذِهِ الرَّايَةَ غَدًا رَجُلًا يَفْتَحُ اللَّهُ عَلَى يَدَيْهِ، يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ»،قَالَ: فَبَاتَ النَّاسُ يَدُوكُونَ لَيْلَتَهُمْ أَيُّهُمْ يُعْطَاهَا، فَلَمَّا أَصْبَحَ النَّاسُ غَدَوْا عَلَى رَسُول الله صلى الله عليه وسلم كُلُّهُمْ يَرْجُو أَنْ يُعْطَاهَا، فَقَالَ: «أَيْنَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ».فَقِيلَ: هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ يَشْتَكِي عَيْنَيْهِ، قَالَ: «فَأَرْسَلُوا إِلَيْهِ».فَأُتِيَ بِهِ فَبَصَقَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم فِي عَيْنَيْهِ وَدَعَا لَهُ، فَبَرَأَ حَتَّى كَأَنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ وَجَعٌ، فَأَعْطَاهُ الرَّايَةَ، فَقَالَ عَلِيٌّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أُقَاتِلُهُمْ حَتَّى يَكُونُوا مِثْلَنَا؟ فَقَالَ: «انْفُذْ عَلَى رِسْلِكَ حَتَّى تَنْزِلَ بِسَاحَتِهِمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الإِسْلاَمِ، وَأَخْبِرْهُمْ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنْ حَقِّ اللَّهِ فِيهِ، فَوَاللَّهِ لَأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلًا وَاحِدًا، خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَمِ» (1).

فإن كانوا قد بلغتهم الدعوة ودلّت القرائن على أنهم يبيتون للمسلمين شراً أو يجمعون جموعهم لقتال المسلمين، فالذي يظهر أنه يجب في هذه الحالة على المسلمين أن يغيروا عليهم دون إنذار سابق، لأن المسلمين على حق والكفار على باطل، والفرصة إذا سنحت للمسلمين يجب عليهم اغتنامها وعدم تفويتها فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ، خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ احْرِصْ عَلَى

(1) - صحيح البخاري (5/ 134) (4210) وصحيح مسلم (4/ 1872) 34 - (2406)

المفصل في فقه الجهاد ط 4 · الصفحة ٣٠٩٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في فقه الجهاد ط 4ص ٣٠٩٧