أَعْلاَهُ فَاقْتَلَعَ رَأْسَهُ بِيَدِهِ، فَقَالَ مُوسَى: أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ؟ قَالَ: أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا؟ - قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: وَهَذَا أَوْكَدُ - فَانْطَلَقَا، حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا، فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا، فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ، قَالَ الخَضِرُ: بِيَدِهِ فَأَقَامَهُ، فَقَالَ لَهُ مُوسَى: لَوْ شِئْتَ لاَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا، قَالَ: هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ " قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «يَرْحَمُ اللَّهُ مُوسَى، لَوَدِدْنَا لَوْ صَبَرَ حَتَّى يُقَصَّ عَلَيْنَا مِنْ أَمْرِهِمَا» (1)
وفي رواية: فَانْطَلَقَا إِذَا هُمَا بِغُلاَمٍ يَلْعَبُ مَعَ الغِلْمَانِ، فَأَخَذَ الخَضِرُ بِرَأْسِهِ فَقَطَعَهُ، قَالَ لَهُ مُوسَى: ﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ، لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْرًا﴾ [الكهف:75] (2)
إذاً فصفة القتل بقطع الرأس وحزها: صفةٌ مشروعة درج عليها الرسل والأنبياء، وهي من الشرع المشترك بينهم، والحمد لله أولاً وآخراً.
(1) - صحيح البخاري (1/ 35) (122)
[ش (فعتب) لم يرض منه بذلك وأصل العتب المؤاخذة. (بمجمع البحرين) ملتقى البحرين وفي تسمية البحرين أقوال. (مكتل) وعاء يسع خمسة عشر صاعا. (فانسل) خرج برفق وخفة. (سربا) مسلكا يسلك فيه. (نصبا) تعبا. (مسا) أثرا وفي رواية (شيئا). (مسجى) مغطى. (وأنى بأرضك السلام) كيف تسلم وأنت في أرض لا يعرف فيها السلام. (نول) أجر. (فعمد) قصد. (الأولى) المسألة الأولى. (زكية) طاهرة لم تذنب. (وهذا أوكد) أي قوله. (ألم أقل لك) لزيادة لك فهذا أوكد في العتاب. (استطعما) طلبا طعاما. (ينقض) يكاد يسقط. (قال الخضر بيده) أشار بها. (من أمرهما) ممن الأعاجيب والغرائب]
ويستفاد منه: فوائد كثيرة: منها. فضيلة العلم، والرحلة في طلبه، فإن موسى - صلى الله عليه وسلم - رحل مسافات طويلة ولقي النصب في طلبه. ومنها: التأدب مع المعلم، والتلطف في مخاطبته لقول موسى (هل أتبعك على أن تعلمني مما علمت رشداً) حيث أخرج الكلام بصورة الملاطفة والمشاورة فاستأذن منه في مصاحبته وأقر أنه يتعلم منه علماً هو في حاجة إليه يستفيد منه ويسترشد به. ومنها: تواضع الفاضل للتعلم ممن دونه، وذلك ليأخذ منه العلم الذي مهر فيه، وان كان دونه في العلم والفضل بدرجات كثيرة، فلا شك أن موسى أفضل من الخضر، ولكن لما كان عند الخضر من هذا العلم الخاص ما ليس عند موسى حرص على التعلم منه. ومنها: أنه ينبغي للعالم مهما بلغ من العلم إذا سئل أي الناس أعلم أن يكل العلم إلى الله تواضعاً وتأدباً فيقول: الله أعلم. منار القاري شرح مختصر صحيح البخاري (1/ 224)
(2) - صحيح البخاري (6/ 92)