تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

اسْتَعْمَلَ النَّاسَ وَتَرَكَكُمْ. قَالَ قُلْتُ: وَاللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُ الَّذِي رَأَيْتَ، وَلِمَ تَرَاهُ فَعَلَ ذَلِكَ؟ فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا أَدْرِي أَصَرَفَكُمْ عَنِ الْعَمَلِ وَأَرْفَعَكُمْ عَنْهُ وَأَنْتُمْ أَهْلُ ذَلِكَ، أَمْ خَشِيَ أَنْ تَعَاوَنُوا لِمَكَانِكُمْ مِنْهُ فَيَقَعَ الْعِتَابُ عَلَيْكُمْ، وَلا بُدَّ مِنْ عَتَّابٍ؛ فَقَدْ فَرَّغْتَ لِي وَفَرَّغْتُ لَكَ فَمَا رَأْيُكَ؟ قُلْتُ: لَا أَرَى أَنْ أَعْمَلَ لَكَ قَالَ: لِمَ؟ قُلْتُ: لأَنِّي إِنْ عَمِلْتُ لَكَ وَفِي نَفْسِكَ مَا فِي نَفْسِكَ لَمْ أَبْرَحْ قَذَاةً فِي عَيْنِكَ. قَالَ: فَأَشِرْ عَلَى، قَالَ قُلْتُ: أُشِيرُ عَلَيْكَ أَنْ تَسْتَعْمِلَ صَحِيحا مِنْك صَحِيحا عَلَيْك. (1)

الطَّرِيقَةُ الثَّانِيَةُ لاِسْتِيفَاءِ الْجِزْيَةِ: الْقَبَالَةُ (أَوِ التَّقْبِيل) وَتُسَمَّى التَّضْمِينَ أَوِ الاِلْتِزَامَ:

هِيَ فِي اللُّغَةِ - بِالْفَتْحِ الْكَفَالَةُ، وَهِيَ فِي الأَصْل مَصْدَرُ قَبَل بِفَتْحِ الْبَاءِ إِذَا كَفَل وَقَبُل بِضَمِّهَا إِذَا صَارَ قَبِيلاً أَيْ كَفِيلاً. (2)

قَال الزَّمَخْشَرِيُّ: كُل مَنْ يَقْبَل بِشَيْءٍ مُقَاطَعَةً وَكُتِبَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ كِتَابٌ، فَالْكِتَابُ الَّذِي يُكْتَبُ هُوَ الْقَبَالَةُ بِالْفَتْحِ وَالْعَمَل قِبَالَةٌ بِالْكَسْرِ؛ لِأَنَّهُ صِنَاعَةٌ، وَفِي الاِصْطِلاَحِ: أَنْ يَدْفَعَ السُّلْطَانُ أَوْ نَائِبُهُ صَقْعًا أَوْ بَلْدَةً أَوْ قَرْيَةً إِلَى رَجُلٍ مُدَّةَ سَنَةٍ مُقَاطَعَةً بِمَالٍ يُؤَدِّيهِ إِلَيْهِ عَنْ خَرَاجِ أَرْضِهَا، وَجِزْيَةِ رُءُوسِ أَهْلِهَا إِنْ كَانُوا أَهْل ذِمَّةٍ، فَيَقْبَل ذَلِكَ، وَيَكْتُبُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ كِتَابًا.

وَقَدْ يَقَعُ فِي جِبَايَةِ الْجِزْيَةِ بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ ظُلْمٌ لِأَهْل الذِّمَّةِ أَوْ غَبْنٌ لِبَيْتِ الْمَال، وَلِذَلِكَ مَال بَعْضُ الْفُقَهَاءِ إِلَى مَنْعِهَا، قَال أَبُو يُوسُفَ " وَأَمَّا السَّوَادُ فَتُقَدِّمَ إِلَى وُلاتِكَ عَلَى الْخَرَاجِ أَنْ يَبْعَثُوا رِجَالا مِنْ قِبَلِهِمْ يَثِقُونَ بِدِينِهِمْ وَأَمَانَتِهِمْ يأْتونَ الْقرْيَة فيأمرون صَاحبهَا بِجمع مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسِ وَالصَّابِئِينَ وَالسَّامِرَةِ؛ فَإِذَا جَمَعُوهُمْ إِلَيْهِمْ أَخَذُوا مِنْهُمْ عَلَى مَا وَصَفْتُ لَكَ مِنَ الطَّبَقَاتِ، وَتُقَدِّمَ إِلَيْهِمْ فِي امْتِثَالِ مَا رَسَمْتُهُ وَوَصَفْتُهُ حَتَّى لَا يَتَعَدَّوْهُ إِلَى مَا سِوَاهُ، وَلا يَأْخُذُوا مَنْ لَمْ تَرَ الْجِزْيَةَ وَاجِبَةٌ عَلَيْهِ بِشَيْء، وَلا يَقْصُدُوا بِظُلْمٍ وَلا تَعَسُّفٍ.

(1) - الخراج لأبي يوسف (ص:126)

(2) - ابن الأثير النهاية في غريب الحديث 4/ 10.

المفصل في فقه الجهاد ط 4 · الصفحة ١١١١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في فقه الجهاد ط 4ص ١١١١