قلت: إن حمل الألفاظ هذا الحديث على حقيقته تعنت ومكابرة بلا دليل ، والأصل أنه إذا امتنع حمل الألفاظ اللغة على الحقيقة صرفت إلى المجاز ، وهذا كثير في اللغة ، فكما تقول : خرجت المدينة تستقبل الحجاج ، وتقصد بذلك أكثر أهل المدينة، كذلك يجب أن تقول في مثل هذا الحديث وفي الآيات التي استدل بها (الشبهة) على رأيهم كآية ( الاستواء ) وغيرها . ويلزم من إنكار هذه الأحاديث لما فيها من التجسيم والتشبيه - على رأي المؤلف - إنكار جميع الآيات التي بهذا المعنى، ولا يقول بهذا مسلم ، فكما صرفت ألفاظ تلك الآيات إلى المجاز تصرف ألفاظ بعض الأحاديث أيضاً إلى ذلك ، لأن بعض الأحاديث جاءت على سنن ونهج القرآن الكريم . وإذا أبى أن تصرف هذه الأفاظ إلى المجاز قلنا له : يلزم من هذا أن تسير المدينة - في مثالنا- بأبنيتها ومساجدها وبيوتها وأشجارها ، وهذا لا يعقل ولا يتصور ، وهو خلاف العادة والعرف ، لذلك وجب صرفه إلى المجاز ، من غير أن نرد ذلك الأصل اللغوي ، الذي عليه العرب ، أدباؤهم وفصحاؤهم وعامتهم منذ عرفهم التاريخ ، وعلى هذا الأصل نحمل بعض آيات القرآن الكريم وبعض أحاديث الرسول الأمين صلى الله عليه وآله وسلم .
فيا ترى : ما الذي يدعو إلى المحالة والاستغراب والامتناع ؟ ، إن كان وجه الإنكار هو أن الله يضع رجله، ففي القرآن جاء اثبات اليد ، والوجه، والعين، والمجيء ، وغير ذلك لله قال تعالى: ﴿ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبّكَ ذُو الْجَلَلِ الإِكْرَامِ ﴾ . [الرحمن / 27 ] وقال تعالى: ﴿ كُلُّ شَىْءٍ هَالِكٌ إِلاّ وَجْهَهُ ﴾ [ القصص/ 88 ] قال تعالى: ﴿ وَقالَتْ الْيَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيِهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَآءُ ﴾ [ المائدة /64 ] وقال تعالى:﴿ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لمِاَ خَلَقْتُ بِيَدَىَّ ﴾ [ص/ 75 ] وقال تعالى:﴿ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنى وَلِتُصْتَعَ عَلَى عَيْنِى ﴾ [طه/39] .
وبالجملة ، فإن تحكيم العقل في مسألة الألوهية ، وصفاتها من سخافة العقل نفسه ، ولا تؤدي عند هؤلاء المغترين بعقولهم ، إلا إلى الإلحاد غالباً ، فخير للعقل ، "وهذا العقل المريض" أن يفكر فيما يستطيع التفكير به ، وإن كان عقله عاجزاً عن معرفة سر الحياة في الانسان نفسه، وعن الاحاطة بجزء كحبة الرمل من صحراء هذا الكون العجيب ، فكيف يستطيع أن يعلم حقيقة خالق هذا الكون كله ؟ ، لنفرض أن تحكيم العقل في الأحاديث هو الصواب ، فنحن نسأل : أي عقل هذا الذي تريد أن تحكمه ؟! ، أعقل الفلاسفة ؟ إنهم مختلفون ، وما من متأخر منهم إلا وهو ينقض قول من سبقه . أعقل الأدباء ؟ إنه ليس من شأنهم ، فإن عنايتهم بالنوادر والحكايات . أعقل علماء الطب ، أم الهندسة ، أم الرياضيات ؟ ما لهم ولهذا ؟ ، أعقل المحدثين ؟ إنه لم يعجبكم ، بل إنكم تتهمونهم بالغباوة والبساطة ؟ ، أعقل الفقهاء ؟ إنهم مذاهب متعددة ، وعقليتهم في رأيكم كعقلية المحدثين . أعقل الملحدين ؟ إنهم يريدون أن إيمانكم بوجود الله ،جهل منكم وخرافة . أعقل المؤمنين بوجود الله ؟ تعالوا نرى طوائفهم :
إن منهم : من يرى أن الله يحل في إنسان فيصبح إلها ؟
ومنهم : من يرى أن روح الله تتقمص في جسد ، فيكون إلها !
ومنهم :من يرى أن الله ومخلوقاته في وحدة متكاملة !
ومنهم : من يرى أن الله ذو ثلاثة أقانيم في ذات واحدة !
ومنهم : من يرى البقر والفأر والقرد يجب أن يتوجه إليها بالعبادة !
ستقولون : إننا نريد تحكيم عقل المؤمنين بإله واحد في دين الإسلام .
فنحن نسألكم : عقل أي مذهب من مذاهبهم ترضون ؟
أعقل أهل السنة والجماعة ؟ هذا لا يرضى الشيعة ، ولا المعتزلة .
أم عقل الشيعة ؟ هذا لا يرضى أهل السنة ، ولا الخوارج .
أم عقل المعتزلة ؟
إنه لا يرضى جمهور طوائف المسلمين ! فأي عقل ترتضون .
إن حكاية عرض الحديث على " العقل " حكاية قديمة نادى بها بعض المعتزلة، ونادى المستشرقون حديثاً ، وتابعهم فيها أحمد أمين ، وضرب لذلك أمثلة من الأحاديث الصحيحة وهي في رأيه غير مقبولة للعقل . لئن كان يريد من العقل الصريح ما يقبله العقل من بدهيات الأمور ، فهذا أمر واقع في تاريخ السنة النبوية ، فقد وضع أئمة النقد من علماء الحديث علامات لمعرفة الحديث الموضوع منها : أن يكون متنه مخالفا لبدائة العقول وللمقطوع به من الدين أو التاريخ أو الطب أو غير ذلك ، وعلى هذا نفوا آلافا من الأحاديث وحكموا عليها بالوضع .