كما يدخل فيه أيضاً : من آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم ثم ارتد واستمر على ردته حتى الموت ، مثل : عبيد الله بن جحش ، الذي هاجر إلى الحبشة و هناك تنصر و مات على نصرانيته ، و ربيعة بن أمية الجمحي ، فإنه ارتد في خلافة عمر حيث فرّ إلى بلاد الروم ، فلحق بهم و تنصر ، و ابن خطل الذي ارتد و قتل على ردته يوم فتح مكة . أنظر : الإصابة (1/7 ) ، و محاضرات في علوم الحديث (ص39 ) ، غير أن هذا سيخرج فيما بعد من مفهوم الصحابة بالقيد الأخير .
و قولنا بعد بعثته : فصل آخر خرج به من لقيه مؤمناً به قبل بعثته صلى الله عليه وسلم ، مثل : زيد بن عمرو بن نفيل ، و جرجيس بن عبد القيس المعروف ببحيرا الراهب ، فقد عرفه و هو ذاهب إلى الشام و آمن به قبل بعثته . أنظر : الزرقاني على المواهب (7/27) و محاضرات في علوم الحديث (ص39 ) ؛ فإن هؤلاء لا يدخلون في مفهوم الصحابة ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم ، لم يكن مبعوثاً حين أمنوا به و صدقوه .
و على هذا : فما مثّل به البعض هنا بورقة بن نوفل غير صحيح ، لأنه قد لقي النبي صلى الله عليه وسلم ، و آمن به بعد أن بعث صلى الله عليه وسلم ، و جاءه الوحي ، و لهذا فقد جزم ابن الصلاح بثبوت صحبته . أنظر : الزرقاني على المواهب (7/27) .
و قولنا حال حياته : فصل آخر خرج به من لقيه يقظة مؤمناً به بعد انتقاله صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى ، أنظر : فتح الباري (7/7 ) و الإصابة (1/7-8 ) و فتح المغيث (4/80 ) ، مثل : أبي ذؤيب الهذلي الشاعر - أنظر : الإصابة (2/364 ) - ، فقد رآه و هو مسجى ، قبل أن يدفن صلى الله عليه وسلم .
و قولنا : و مات على الإيمان : هو فصل آخر خرج به من لقيه مؤمناً به ، ثم ارتد و استمر على ردته ، حتى الموت ، و قد تقدمت أمثلته . هذا بالنسبة لتعريف الصحابي عند جمهور المحدثين ، وفي الحلقة القادمة يسكون الحديث عن تعريف الصحابي عند جمهور الفقهاء والأصوليين ، و ترجيح التعريف الصحيح في ذلك .
ذهب جمهور الفقهاء والأصوليين في تعريف الصحابي إلى أنه :-
من لقي النبي صلى الله عليه وسلم يقظة مؤمناً به ، بعد بعثته ، حال حياته ، و طالت صحبته و كثر لقائه به ، على سبيل التبع له ، والأخذ عنه ، وإن لم يرو عنه شيئاً ، و مات على الإيمان .
شرح التعريف :
قولهم : من لقي النبي .. الخ : تقدم شرح ذلك و بيان ما فيه ، في تعريف الصحابي عند جمهور المحدثين .
و قولهم : طالت صحبته :- أي أن يكون الصحابي قد جالس النبي صلى الله عليه وسلم و لقيه كثيراً .
و قد اختلف العلماء في المدة التي يقال فيها طالت صحبته ، فمنهم من حددها بسنة فأكثر ، وعليه ابن المسيب ، كما نقله عنه الشوكاني في إرشاد الفحول ( ص 70) ، وابن الهمام في التحرير (3/66) و الآلوسي في أجوبته العراقية (ص 9) وغيرهم .
و منهم من حددها بستة أشهر فأكثر ، كما نقله عن بعض العلماء صاحب التيسير (3/66) و الشوكاني في إرشاد الفحول (ص 70) والآلوسي في الأجوبة العراقية ( ص 9) و غيرهم .
و قد رد على هذين القولين بما ذكره الشوكاني في إرشاد الفحول (ص70) حيث قال : ولا وجه لهذين القولين ، لاستلزامهما خروج جماعة من الصحابة الذين رووا عنه ولم يبقوا لديه إلا دون ذلك ، و أيضاً لا يدل عليهما دليل من لغة ولا شرع .
ومنهم من رأى أنها لا تحدد بمقدار ، وإنما هي تطول بحيث يطلق عليها اسم الصحبة عرفاً .
و هذا هو القول الراجح والأصح عندهم ، وإليه ذهب الجمهور منهم .
و قولهم : على سبيل التبع له والأخذ عنه :- هذا قيد إنما جيء به في الحقيقة لبيان الواقع ، لأن من طالت صحبته للنبي صلى الله عليه وسلم عرفاً لا يكون إلا على سبيل المتابعة له والأخذ عنه ، ولا يصح أن يكون قيداً له مفهوم ، إذ لا نعلم أن هناك من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من طالت صحبته للنبي صلى الله عليه وسلم ولم يكن متابعاً له ، آخذاً عنه .
و قولهم : وإن لم يرو عنه شيئاً :- اختلف جمهور أهل الفقه والأصول في ذلك ، فمنهم من يشترط لثبوت الصحبة ثبوت الرواية عن الرسول صلى الله عليه وسلم ، مثل : الشوكاني في إرشاد الفحول (ص70) والسيوطي في تدريب الراوي (2/112) وغيرهم .
ومنهم من ذهب إلى أنه لا يشترط لثبوت الصحبة ثبوت الرواية عن الرسول صلى الله عليه وسلم ، مثل : القاضي أبي يعلى الفراء في العدة (ص3/989) والآمدي في الإحكام (1/275) و السبكي في جمع الجوامع (2/179) و غيرهم .
والقول الراجح هو القول الثاني ؛ لأن القول باشتراط الرواية لتحقق مفهوم الصحبة يؤدي إلى خروج كثير من الصحابة الذين لم تحفظ لهم رواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، مع اتفاق العلماء الذين ترجموا للصحابة على عدهم فيهم . و قد تقدمت الأمثلة على ذلك في تعريف الصحابي عند جمهور المحدثين .