و بهذا المنظار انطلق ابن تيمية رحمه الله بقوله : الطعن فيهم - أي في الصحابة - طعن في الدين . منهاج السنة (1/18) . و الأمثلة في هذا كثيرة .
و إن الباحث المسلم كثيراً ما يحس بالمرارة ، أو يصاب بخيبة الأمل ، و هو يتابع تفاصيل العصر الراشدي ، و هو العصر الذهبي في تاريخ الإسلام ، في حشود الروايات التي تقدمها مصادرنا القديمة ، و على رأسها تاريخ الرسل و الملوك للإمام الطبري ، فيجد البون شاسعاً بين ما يعهده من عدالة صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، من سلامة في الاعتقاد و استقامة في السلوك ، و ما كانوا عليه من خلق كريم ، و بين ما تصوره الروايات التي نقلها الرواة و الإخباريين على أنه الواقع التاريخي .
و في العصر الحديث تلقف المستشرقون و من شايعهم و تأثر بآرائهم من المنتسبين إلى الإسلام ، هذه الأباطيل بل كانت مغنماً تسابقوا إلى اقتسامه ما دامت تخدم أغراضهم للطعن في الإسلام و النيل من أعراض الصحابة الكرام .
ولابد أن تعتقد و أنت تقرأ تاريخ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرين اثنين :-
أ- أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم هم خير البشر بعد الأنبياء ، و ذلك لأن الله تبارك و تعالى مدحهم و النبي صلى الله عليه وسلم مدحهم في أكثر من حديث أنهم أفضل الأمة أو الأمم بعد أنبياء الله صلوات الله و سلامه عليهم .
ب- لابد أن تعلم أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم غير معصومين ، لكن المصيبة أن البعض يعتقد العصمة فيهم ؛ نعم نحن نعتقد العصمة في إجماعهم لأن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن هذه الأمة لا تجتمع على ضلالة - لحديث : ( إن الله تعالى قد أجار أمتي من أن تجتمع على ضلالة ) انظر : كتاب السنة لابن أبي عاصم بتخريج الألباني رحمه الله صلى الله عليه وسلم 1/41) - ، فهم معصومون من أن يجتمعوا على ضلالة ، و لكن كأفراد هم غير معصومين ، فالعصمة لأنبياء الله صلوات الله وسلامه عليهم .
و بعد هذه المقدمة السريعة ندخل إلى صلب الموضوع ، إلا و هو عدالة الصحابة ، و نبدأ أولاً ، بتعريف الصحابي ، فأقول و بالله التوفيق :
تعريف الصحابي ..
الصاحب في اللغة : اسم فاعل من صحب يصحب فهو صاحب ، و يقال في الجمع : أصحاب و أصاحيب و صحب و صحبة و صُحبان - بالضم - و صَحابة - بالفتح - و صِحابة - بالكسر - . لسان العرب ( 7/286) .
و عرفاً : هو من طالت صحبته و كثرت ملازمته على سبيل الإتباع . جامع الأصول لابن الأثير (1/74 ) .
و اصطلاحاً كما عند جمهور المحدثين : هو من لقي النبي صلى الله عليه وسلم يقظة ، مؤمناً به ، بعد بعثته ، حال حياته ، و مات على الإيمان . أنظر : فتح المغيث (4/74) و ما بعدها ، و الباعث الحثيث (ص 169و172) هامش رقم (1) و دفاع عن السنة (ص108) و الإصابة (1/6) و غيرها من الكتب ، و من مجموع ما ذكره هؤلاء العلماء و غيرهم صغت هذا التعريف .
شرح التعريف :
قولنا من لقي النبي صلى الله عليه وسلم : هو جنس في التعريف ، و يدخل فيه :-
من طالت مجالسته ، مثل :- أبو بكر و عمر و عثمان و علي ، و غيرهم ممن لازم النبي صلى الله عليه وسلم ، رضي الله عنهم أجمعين .
أو قصرت ، مثل :- الوافدين عليه صلى الله عليه وسلم ، كضمام بن ثعلبة - أنظر : الاستيعاب (2/751) و أسد الغابة (3/57) - ، و مالك بن الحويرث - أنظر : الإصابة (5/719-720)-، و عثمان ابن أبي العاص - أنظر : أسد الغابة (3/579) و الإصابة (4/451-452) - ، و وائل بن حجر - أنظر : الاستيعاب (4/1562-1563) و أسد الغابة (5/435) - ، و غيرهم ممن لم يمكث مع النبي صلى الله عليه وسلم إلا قليلاً .
أو رآه و لم يجالسه ، مثل :- بعض الأعراب الذين شهدوا مع النبي صلى الله عليه وسلم حجة الوداع ، فإنهم رأوه و لم يجالسوه ، كأبي الطفيل عامر بن واثلة - أنظر : الإصابة (3/605) و الاستيعاب (4/1696) ، و أسد الغابة (3/145) - ، و أبي جحيفة وهب بن عبد الله - أنظر : الإصابة (6/626) - .
و يدخل فيه : من روى عنه حديثاً ، مثل :- مهران مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم - أنظر : الإصابة (6/232) و أسد الغابة (5/281) - ، و حسان بن ثابت - أنظر : الإصابة (2/62-64) و أسد الغابة (2/5-7 ) - ، و سهل بن حنيف - أنظر : الإصابة (3/198) و أسد الغابة (2/470) - .
و من روى حديثين ، مثل :- عبد الله بن حنظلة الغسيل - أنظر : الإصابة (4/65-67) و أسد الغابة ( 3/218) - ، و حمزة بن عبد المطلب - أنظر : الإصابة (2/121-123) و الاستيعاب (1/369-375) - ، و شرحبيل بن حسنة - أنظر : الإصابة (3/328-329) - .
أو أكثر ، مثل :- أبي هريرة ، و ابن عمر ، و ابن عباس ، و غيرهم من مكثري الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .