إن الاعتماد على مجرد النقل من المصادر دون نقد ، أو تمحيص أمر لا تحمد عقباه، لذا فقد حذر منه العلماء ، وفي ذلك يقول ابن خلدون - رحمه الله : ( وكثيراً ما وقع للمؤرخين والمفسرين وأئمة النقل ، من المغالط في الحكايات والوقائع ، لاعتمادهم فيها على مجرد النقل غثاً أو سميناً).
والنقل من المصادر التاريخية دون نقد أو تمحيص آفة كثير من البحوث ، وسببه عدم مراعاة المنهج العلمي في التعامل مع النصوص التاريخية ، وفي ذلك يقول ابن خلدون - رحمه الله : ( أما بعد ، فإن فن التاريخ من الفنون التي تتداوله الأمم والأجيال... وتسمو إلى معرفته السوقة والأغفال ، وتتنافس فيه الملوك والأقيال ... إذ هو في ظاهره لا يزيد على أخبار عن الأيام والدول ، والسوابق من القرون الأول ، تنمو فيها الأقوال ، وتضرب فيها الأمثال ، وتطرف بها الأندية إذا غصها الاحتفال ، وتؤدي لنا شأن الخليقة كيف تقلبت بها الأحوال ، واتسع للدول فيها النطاق والمجال ، وعمروا الأرض حتى نادى بهم الارتحال ، وحان منهم الزوال ، وفي باطنه نظر وتحقيق ، وتعليل للكائنات ومبادئها دقيق ، وعلم بكيفيات الوقائع وأسبابها عميق ، فهو لذلك أصيل في الحكمة عريق ، وجدير بأن يعد في علومها وخليق).
ثالثاً : دراسة ميول مؤلفي المصادر ومعرفة توجهاتهم العقدية ، لما لذلك من تأثير في مصداقية ما ينقلونه من أخبار.
رابعاً : فيما يتعلق بالروايات المسندة فإنه من الأهمية بمكان دراسة رجال إسناد كل رواية ومعرفة أحوالهم جرحاً وتعديلاً ، وذلك إن ميول الرواة ، سواء منها : القبلية ، أو السياسية ، أو العقدية ، تؤثر بلا شك على مصداقية ما ينقلونه من أخبار ؛ وفي ذلك يقول محمد بن سيرين - رحمه الله - : (إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم).
كما تحدث عبد الله بن المبارك - رحمه الله - عن أهمية الإسناد فقال : (الإسناد من الدين ، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء).
وهنا يجدر التنبيه على أن المحدثين قد وضعوا معايير علمية دقيقة في تجريح أو تعديل الرواة ، مراعين في ذلك طبيعة الخبر المروي ، وميول راوي الخبر.
خامساً : فيما يتعلق بمتن الراوية ، مسندة كانت أم غير مسندة ، فينبغي مراعاة الأمور التالية :
1- خلو النص من المخالفات العقدية والشرعية.
2- خلو النص من الأمور القادحة بعدالة الصحابة - رضوان الله عليهم - وذلك لثبوت عدالتهم في الكتاب والسنة. وعن عدالة الصحابة - رضي الله عنهم - يقول الخطيب البغدادي - رحمه الله : (على أنه لو لم يرد من الله عز وجل ورسوله فيهم شيء ، لأوجبت الحال التي كانوا عليها ، من الهجرة والجهاد والنصرة ، وبذل المهج والأموال ، وقتل الآباء والأولاد ، والمناصحة في الدين ، وقوة الإيمان واليقين ، القطع على عدالتهم ، والاعتقاد بنزاهتهم ، وأنهم أفضل من جميع المعدلين ، والمزكين ، الذين يجيئون بعدهم أبد الآبدين ، هذا مذهب كافة العلماء ، ومن يعتد بقوله من الفقهاء).
كما تحدث الذهبي - رحمه الله - عن عدالتهم فقال : ( فأما الصحابة - رضي الله عنه - فبساطهم مطوي ، وإن جرى ما جرى ، إذ على عدالتهم ، وقبول ما نقوله العمل ، وبه ندين الله تعالى).
3- إن مجتمع الصحابة - رضوان الله عليهم - وهو خير القرون كما أخبر بذلك المصطفى صلى الله عليه وسلم ، وهو المجتمع الذي تخرج من مدرسة النبوة ، لذا فإن أحوال ذلك المجتمع ما هي إلا انعكاس لأخلاقيات صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، الذين كانوا أول المخاطبين بقوله تعالى : (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله).
أما من ينظر إلى ذلك المجتمع من خلال كتب الأدب فقد ظلم نفسه ، وظلم معها صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، الذين اصطفاهم الله سبحانه وتعالى لصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم.
وحتى يعلم القراء الكرام بحجم جناية بعض كتب الأدب على مجتمع الصحابة - رضوان الله عليهم - فإني أحيلهم إلى الرسالة العلمية الجادة التي ألفها د.عبدالله الخلف ، والموسومة بـ ( مجتمع الحجاز في العصر الأموي بين الآثار الأدبية والمصادر التاريخية). وهي رسالة دكتوراه من جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية .
سادساً : الاستعانة بالأدلة العقلية لرفع الظلم عن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم .
سابعاً : اعتماد كتب السنة مصدراً أساسياً لدراسة عصر الصحابة - رضوان الله عليهم - وذلك لاحتوائها على عشرات النصوص التاريخية التي يندر وجودها في كتب التاريخ ، وهذه الخطوة بالرغم من توسيعها لقاعدة المصادر ، فقد غفل عنها كثير من الباحثين المعاصرين ، وهذا بدوره قد انعكس سلباً على مستوى أبحاثهم.
وللدلالة على أن كتب السنة تعد منجماً غنياً بالنصوص التاريخية ، فإني أحيل القراء الكرام إلى رسالتين علميتين تؤكدان هذا المعنى.