تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولنترك الكلام الآن للعلامة المحقق الإيجي رحمه الله تعالى إذ لا كلام لأمثالنا في حضرة كلامه، ولأن اعتراض خليفات كان على كلامه هذا أصلاً؛ فهذا كلام الإيجي ممزوجاً ببعض كلام الشارح الجرجاني: (إن ما لا يطاق جائز عندنا لما قدمنا آنفاً في المقصد السادس من أنه لا يجب عليه شيء ولا يقبح منه شيء. إذ يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد لا معقب لحكمه. ومنعه المعتزلة لقبحه عقلاً كما في الشاهد (قلت: وهذا أحد استدلالات خليفات في منع التكليف بما لا يطاق. فتنبه إلى الجواب عنه)، فإن من كلف الأعمى نقط المصاحف والزَّمِنَ المشي إلى أقاصي البلاد، وكلف عبده الطيران إلى السماء عد سفيها، وقبح ذلك في بداية العقول، وكان كأمر الجماد الذي لا شك في كونه سفهاً (قلت: هذا احتجاج المعتزلة وقد أبطلناه فيما مضى). واعلم أن ما لا يطاق على مراتب: أدناها أن يمتنع الفعل لعلم الله بعدم وقوعه أو تعلق إرادته أو إخباره بعدمه، فإن مثله لا تتعلق به القدرة الحادثة لأن القدرة مع الفعل ولا تتعلق بالضدين والتكليف بهذا جائز بل واقع إجماعاً وإلا لم يكن العاصي بكفره وفسقه مكلفاً بالإيمان وترك الكبائر بل لا يكون تارك المأمور به عاصياً أصلاً، وذلك معلوم بطلانه من الدين ضرورة. وأقصاها أن يمتنع لنفس مفهومه كجمع الضدين وقلب الحقائق وإعدام القديم؛ وجواز التكليف به فرع تصوره، وهو مختلف فيه؛ فمنا من قال: لو لم يتصور الممتنع لذاته لامتنع الحكم عليه بامتناع تصوره وامتناع طلبه إلى غير ذلك من الأحكام الجارية عليه، ومنهم من قال: طلبه يتوقف على تصوره واقعاً أي ثابتاً لأن الطالب لثبوت شيء لا بد أن يتصور أولاً مطلوبه على الوجه الذي يتعلق به طلبه ثم يطلبه، وهو أي التصور على وجه الوقوع والثبوت منتفٍ ههنا، أي في الممتنع لنفس مفهومه فإنه يستحيل تصوره ثابتاً، وذلك لأن ماهيته من حيث هي هي تقتضي انتفاءه وتصور الشيء على خلاف ما تقتضيه ذاته لذاته لا يكون تصوراً له بل لشيء آخر كمن يتصور أربعة ليست بزوج، فإنه لا يكون متصوراً للأربعة قطعاً بل الممتنع لذاته إنما يتصور على أحد وجهين إما منفياً بمعنى أنه ليس لنا شيء موهوم أو محقق هو اجتماع الضدين، أو بالتشبيه بمعنى أن يتصور اجتماع المتخالفين كالسواد والحلاوة، ثم يحكم بأن مثله لا يكون بين الضدين؛ وذلك أي تصوره على أحد هذين الوجهين كاف في الحكم عليه دون طلبه لأنه غير تصور وقوعه وثبوته، ولا مستلزم له. صرح ابن سينا به أي بأن تصوره كذلك كما نقلناه عنه في باب العلم. ولعله معنى قول أبي هاشم العلم بالمستحيل علم لا معلوم له، كما أشرنا إليه هناك أيضاً. ولعله مراد من قال المستحيل لا يُعلم أي لا يعلم من حيث ذاتُه وماهيتُه. والمرتبة الوسطى من مراتب ما لا يطاق أن لا يتعلق به القدرة الحادثة عادة سواء امتنع تعلقها به لا لنفس مفهومه بأن لا يكون من جنس ما تتعلق به كخلق الأجسام، فإن القدرة الحادثة لا تتعلق بإيجاد الجوهر أصلاً، أم لا بأن يكون من جنس ما تتعلق به لكن يكون من نوع أو صنف لا تتعلق به كحمل الجبل والطيران إلى السماء، فهذا أي التكليف بما لا يطاق عادة نجوزه نحن وإن لم يقع بالاستقراء، ولقوله تعالى: (لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا(. وتمنعه المعتزلة لكونه قبيحاً عندهم. وبه أي بما ذكرناه من التفصيل وتحرير المتنازع فيه يُعلم أن كثيراً من أدلة أصحابنا مثل ما قالوه في إيمان أبي لهب، وكونه مأموراً بالجمع بين المتناقضين نصب للدليل في غير محل النزاع، إذ لم يجوزه أحد. (قلت: واعترض عليه الجرجاني، قال: ولقائل أن يقول: ما ذكره من أن جواز التكليف بالممتنع لذاته فرع تصوره وإن بعضاً منا قالوا تصوره يشعر بأن هؤلاء يجوزونه). اهـ.(1)[5]

ورد المحشي عبد الحكيم السيالكوتي اعتراض الجرجاني بقوله: "يرد عليه أن هذا الاعتراض إنما يتوجه على ما حمل هو كلام المصنف عليه من أن المراد بما قالوا في إيمان أبي لهب: إنه مكلف بأن يؤمن بجملة ما أتى به النبي عليه السلام ومن جملتها أنه لا يؤمن فيكون تكليفاً بالجمع بين المتناقضين. وأما إذا حمل على أن المراد بما قالوه أنه تعالى علم عدم إيمانه وأخبر به، ومع هذا كلفه بالإيمان فيكون تكليفاً بما لا يطاق، فصح قول المصنف إنه ليس بمحل النزاع لأنه من القسم الأول ولم يرد عليه ما أورد". اهـ

وقد حرصت على نقل كلام الإيجي حيث اعترض عليه خليفات بتمامه في هذه المسألة لنتشارك مع القارئ التأمل في كلامه وكلام خليفات، ليسهل علينا الحكم على كلام العلامة الإيجي، الذي أعتقد أنه في غاية الرصانة، وإني أتحدى خليفات وغيره أن يبيّنوا فساده بقوة المنطق والبرهان لا الخطابة والسفسطة. وفي النصين المنقولين عنه رحمه الله إجابة شافية عن أسئلة خليفات، إذا انتهى القارئ إلى كلامه قبل التسليم بقول الأشعرية.

(1) - شرح المواقف المجلد الرابع/ ج7/ ص222-223

المفصل في الرد على شبهات أعداء الإسلام · الصفحة ٣٧٨١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في الرد على شبهات أعداء الإسلامص ٣٧٨١