على أي حال، فاللائق بالمخالف أن تكون قضيته (فعل القبيح منه سبحانه وتعالى جائز عقلاً، ولكنه لا يفعله). فنقول: إما إنه لا يفعله مضطراً فيلزم منه نفي كونه إلهاً لعجزه عن دفع ما يضطره، وبالتالي نفي العالم لانتفاء إرادته سبحانه ولعجزه. وإما أن يفعله مختاراً. ولا حاجة لأن أنبه خليفات إلى أن القول الثاني هو عين قولنا بأن الله يجوز عليه عقلاً تعذيب المطيع ولكنه لا يفعل ذلك بإرادته واختياره وقدرته، مع فارق أننا لا نقول أنه لو فعل ذلك لكان قبيحاً منه أو أنه يفعل ذلك مضطراً. فتأمل. فإن قلتم إنه يفعله مختاراً فما المخصص لتعلق إرادة الله تعالى وقدرته بشيء من الممكنات دون شيء آخر، ونحن نعلم أنه لا فرق بين ممكن وممكن، أي أن جميع الجائزات متساوية بالنسبة لقدرته تعالى وإرادته، أي في تعلق قدرة الله تعالى وإرادته به؟ واعلم أن هذا السؤال في غاية الصعوبة ولا يمكنهم الانفكاك عنه. فإن جعلوا المخصص شيئاً من الحوادث كان الحادث ذا أثر في القديم وهو ظاهر الفساد، وإن جعلوا المخصص قديماً فإما أن يقولوا إنه الإرادة أو القدرة أو العلم. والأولان باطلان لأن القدرة والإرادة لا يتعلقان بالواجب كما بيناه. والأخير باطل لأن العلم ليس بصفة تأثير وتخصيص.
واعلم أنه لا فرق بين قولك يجوز على الله فعل القبيح وقولك إن الله يفعل القبيح من حيث لزومهما لثبوت النقص لذاته تعالى. ولك الآن أن تلاحظ ركاكة قول القائل: (إن الله تعالى يجوز عليه فعل القبيح ولكنه يستحيل عليه فعله لأنه يعلم أنه قبيح) فقد أورد حكمين عقليين لا يمكن اجتماعهما على موضوع واحد.
والحق أن من قال بالحسن والقبح العقليين أوجب على الله أشياء منها فعل الحَسَن وترك القبيح، ومنها الثواب على الطاعة والعقاب على المعصية، وغير ذلك. وللناظر في أي أمر يحكم العقل بقبحه دون واسطة الشرع –أي لا بمعنى ترتب الذم عليه حالاً والعقاب مآلاً- أن يلاحظ أنه ممكن في ذاته فَلِمَ ارتفع تعلق قدرة الله وإرادته به دون غيره من الممكنات، وصار فعله مستحيلاً على الله تعالى؟ فيعود عليهم الكلام السابق. وإن من يستطيع الإجابة عن هذا السؤال دون أن تتناقض أقواله مع قطعيات الشرع والعقل، ومن يستطيع أن يثبت أن للأشياء حسناً وقبحاً من ذاتها نسلم له قوله بوجوب ترك القبيح.