وهذه الافتراءات من الشيعة ليس لهم على إثباتها دليل وهي مجرد إفك محض، وفرية بينة حملهم عليها حقد عظيم على الصحابة عموماً، وعلى سادتهم وكبارهم خصوصاً، وقد لحق عمرو من حقدهم وبغضهم ما لحق غيره من كبار الصحابة، وهو قد مات وانقطع عمله، ولكن الله لم يشأ أن يقطع عنه الثواب.
وهذه التهمة التي يوردها الشيعة جزافاً، يحاولون إلصاقها بأكثر الصحابة، بل قل ما ذكروا صحابياً إلا وحاولوا وصمه بهذه الفرية([42]). وإذا لم تستح فاصنع ما شئت.
نماذج من أقوال الشيعة في عمرو بن العاص:-
أطلق الشيعة الإثنا عشرية سيما المعاصرون منهم مجموعة من الألقاب على عمرو بن العاص رضي الله عنه تحمل في طياتها حقداً يعتمل في صدورهم، وسُمَّاً ينفثونه على هذا الصحابي الجليل.
ومن الأقوال الخبيثة التي أطلقوها عليه على سبيل الاتهام له: (العاصي ابن العاصي)([43])، (ابن العاهرة)([44])، (الماكر)([45])، (الخبيث)([46])، (المنافق)([47])، (ممن اشتهر نفاقهم، وظهر شكهم في الدين وارتيابهم)([48])، (المجرم)([49])، (من شر الأولين والآخرين)([50])، (يرفض الآخرة ويطلب الدنيا)([51])، (من الذين عادوا النبي وآذوه وكادوا له وكذبوه)([52]). إلى آخر ما أوردوه في ذلك من أقوال كثيرة مكذوبة.
والقارئ المنصف المتجرد يلاحظ أن هذه الأقوال مجردة عن الدليل، فالشيعة لم ينسبوها لأحد، حتى ولا لأئمتهم، كما جرت العادة عندهم في نسبة الأقوال المكذوبة إليهم، ويرجع السبب في ذلك إلى صدور هذه الأقوال عن أناس معاصرين لم يجدوا في الكتب السابقة أقوالاً مكذوبة منسوبة إلى الأئمة تطعن في بعض الصحابة، فاقتضت الضرورة أن يدلوا بدلوهم مقلدين سلفهم ومن سبقهم من علمائهم الوضاعين، فيخترعوا ما يرونه مناسباً من قصص ملفقة أو تهم مزورة، ثم يطلقونها جزافاً على الصحابة بمجموعهم أو بأعيانهم، كما حدث في اتهام الصحابة بأنهم أبناء زنا، وفي غير ذلك من الاتهامات.
وهذا يرشد القارئ اللبيب إلى أن أمثال هذه المطاعن قد صدرت عن هوى وأغراض شخصية، ومن هنا احترز أئمة الجرح التعديل في الرواية عن المبتدعة، سيما إذا رووا ما يقوي بدعتهم.
والشيعة -وخاصة المعاصرون منهم- والذين طعنوا في عمرو بن العاص -رضي الله عنه- إنما وجهوا هذه المطاعن إلى من فرح رسول الله صلى الله عليه وسلم بإسلامه عندما أسلم، وأخبر بصدق إسلامه، وأثنى عليه بعد ذلك ووصفه بالصلاح:
فقد روى الترمذي وأحمد وغيرهما بأسانيدهم عن عقبة بن عامر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ﴿أسلم الناس وآمن عمرو بن العاص﴾([53]).
وهذا القول من رسول الله صلى الله عليه وسلم يدل على أن عمراً -رضي الله تعالى عنه- لما جاء مسلماً جاء مصدقاً بقلبه ولسانه، راغباً في العمل الصالح، طامعاً في المغفرة من ربه.
وقد طلب منه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأتيه ذات يوم فلما جاءه قال له: ﴿يا عمرو! إني أريد أن أبعثك وجهاً فيسلمك الله ويغنمك، أرغب لك من المال رغبة صالحة. قال: قلت: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم! إني لم أسلم رغبة في المال وإنما أسلمت رغبة في الجهاد والكينونة معك. قال: يا عمرو! نعماً بالمال الصالح للمرء الصالح﴾([54]).
وهذا الحديث يدل على إيثار عمرو لما عند الله وعند رسوله صلى الله عليه وسلم، ويبين أنه -رضي الله عنه- لم يسلم رغبة في حطام الدنيا الفانية وإنما رغبة في الثواب والأجر من الله، وطمعاً في مرضاة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وهو يرد على من زعم من الشيعة أن عمراً كان طالباً للدنيا رافضاً للآخرة.
ولقد أثنى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى أهل بيته فقال فيه: ﴿إن عمرو بن العاص من صالح قريش﴾([55]).
وفيه وفي ابنه عبد الله وفي أم ولده عبد الله قال صلى الله عليه وسلم: ﴿نعم أهل البيت عبد الله وأبو عبد الله وأم عبد الله﴾([56]).
فرحم الله الصحابي الجليل عمرو بن العاص ورضي عنه، وعامل بعدله شانئيه ومبغضيه.
ثالثاً: الشيعة يقولون عن خالد بن الوليد رضي الله عنه: إنه سيف الشيطان المشلول:-
ينكر الشيعة أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم قد وصف خالداً -رضي الله عنه- بأنه سيف من سيوف الله، ويزعمون أن هذه التسمية أتته من قبل أهل السنة، ويقولون: لو أن أهل السنة أنصفوا لسموه سيف الشيطان المشلول:
فهذا مقاتل بن عطية، وهو من علمائهم يقول عن خالد: (إنه سيف الشيطان المشلول) ويزعم أن أهل السنة لقلة إنصافهم سموه بسيف الله المسلول، ثم يذكر سبب تسميتهم له بذلك فيقول: (حيث إنه كان عدواً لعلي بن أبي طالب... سماه بعض السنة بسيف الله)([57]).
وبنحو قول مقاتل هذا قال الحلي([58]). -وهو من علماء الشيعة أيضاً-.
ويرد عليهما بما يلي:
إن تسمية خالد بن الوليد -رضي الله عنه- بسيف الله لم تأت من قبل أهل السنة، وأول من سماه بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم.