وكل هذه الروايات المكذوبة المفتراة تدور حول معنى واحد هو إخراج الشيخين رضي الله تعالى عنهما من قبريهما غضين طريين وصلبهما وافتتان الناس بهما.
والروايات المنسوبة -زوراً وبهتاناً- إلى أبي عبد الله الصادق زعموا أنها رواها عنه عدد من رواة الشيعة أمثال أبي الجارود([26]).
والمفضل بن عمر([27])، وبشير النبال([28])، وإسحاق بن عمار،([29]) وغيرهم.
وكلها تدور حول نفس المعنى الذي دارت عليه الروايات السابقة.
أما محمد بن علي الجواد المعروف بأبي جعفر الثاني: فقد روى عنه قصة صلب القائم للشيخين رضي الله عنهما -على حد زعم الشيعة - عبد العظيم بن عبد الله الحسني([30]).
وعن محمد بن الحسن العسكري -وهو قائم الشيعة الذي يصلب الشيخين كما يزعمون، وهو لم يولد أصلاً لعقم الحسن العسكري - زعم الشيعة أنه رواها علي بن إبراهيم بن مهزيار. وهي قصة طويلة مفتراة ذكروا فيها قول محمد بن الحسن -المهدي المزعوم-: [[... وأجيء إلى يثرب فأهدم الحجرة وأخرج من بها وهما طريان فآمر بهما تجاه البقيع، وآمر بخشبتين فيصلبان عليهما فتورقان من تحتهما، فيفتتن الناس بهما أشد من الفتنة الأولى... إلخ]]([31]).
وهذا المعتقد الخبيث المخالف لكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وإجماع المسلمين يعرف عند الشيعة بالرجعة، ويزعمون أنها –أي: الرجعة المزعومة- حشر للأبدان والأرواح تشبه حشر القيامة([32]).
والرجعة من عقائد الشيعة الأساسية، وقد استدلوا عليها بنحو مائة آية من كتاب الله أولوها بما لا يسعفه برهان ولا تقويه حجة.
ولا إيمان عند الشيعة لمن لم يعتقد بالرجعة، وليس من الشيعة في شيء من ينكرها-كما نسبوا ذلك إلى أئمتهم-([33]).
وهي خاصة بمن كان مؤمناً خالصاً أو منافقاً خالصاً فلا يرجع إلا من علت درجته في الإيمان، أو بلغ الغاية في الكفر والنفاق.
ومعلوم أن الشيخين الجليلين أبا بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما ليسا ممن محض الإيمان -عند الشيعة - فهما إذاً من الفريق الآخر بدليل:
إجماع الشيعة على أنهما يرجعان، ويذوقان شتى أنواع العذاب على يدي القائم -الذي بعث نقمة([34]) من صلبهما([35]). وضربهما بسياط من نار([36]) وقتلهما في كل يوم ألف قتلة([37]) وحرقهما([38]) ونسفهما في اليم نسفا كما فعل موسى عليه السلام بالعجل([39]) بل وقتل كل من أحبهما-([40]). على حد زعم الشيعة الذين أوردوا كل هذه المفتريات في كتبهم.
والمتصفح لكتب الأدعية عند الشيعة يجدها مليئة بدعاء القائم كي يخرج وينتقم من أعداء آل البيت، وفي مقدمتهم أبو بكر وعمر رضي الله عنهما([41]). وحاشا أبا بكر وعمر أن يكون في قلبيهما بغض لآل بيت رسولهم صلى الله عليه وسلم، وكثيراً ما يكون دعاؤه شعراً، وذلك كقول قائلهم([42]):
يا حجة الله يا خير الأنام ويا نور الظلام ويا ابن الأنجم الزهر
أرجو من الله ربي أن يبلغني أرى اللعينين رؤيا العين بالنظر
ينبشان كما قال النبي لنا من بعد دفنهما في سائر الحفر
ويشهران بلا ريب ولا شبه على رؤوس الملا من سائر البشر
ويصلبان على جذعين من خشب ويحرقان بلا شك ولا نكر
هناك تشفى قلوب طال ما ملئت همّاً وتصبح بعد الهمِّ بالبشر
ولا يقتصر زمن صلب الشيخين رضي الله تعالى عنهما على وقت الرجعة -عند الشيعة- بل تراهم يزعمون أن أبا بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما يصلبان في كل عام أيضاً:
فقد روى الصفار والمفيد بسنديهما المسلسلين بالكذابين عن عيسى بن عبد الله بن أبي طاهر العلوي([43]). يروي عن أبيه عن جده: [[أنه كان مع أبي جعفر محمد بن علي الباقر([44]). بمنى وهو يرمي الجمرات، وأن أبا جعفر عليه السلام رمى الجمرات قال: فاستتمها ثم بقي في يده بعد خمس حصيات، فرمى اثنتين في ناحية وثلاثة في ناحية، فقال له جدي: جعلت فداك لقد رأيتك صنعت شيئاً ما صنعه أحد قط. رأيتك رميت الجمرات ثم رميت بخمسة بعد ذلك ثلاثة في ناحية واثنتين في ناحية؟ قال: نعم. إنه إذا كان كل موسم أخرجا الفاسقين الغاصبين ثم يفرق بينهما هاهنا، لا يراهما إلا إمام عادل، فرميت الأول - أبا بكر – اثنتين، والآخر – عمر – ثلاثة؛ لأن الآخر أخبث من الأول]]([45]).
وهكذا لا يتورع الشيعة عن توجيه مثل هذه الاتهامات إلى اللذين هما أفضل الناس بعد الأنبياء والمرسلين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، وزيري رسول الله صلى الله عليه وسلم وحبيبيه وصفييه من أهل الدنيا، وأقرب الناس إليه قلباً وبدناً. ومن اطلع على سيرتهما أدرك شدة قربهما من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعرف مكانتهما ومنزلتهما عنده. وقد شهد لهما أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه بذلك: