وروى الإمام البخاري في صحيحه عن محمد بن الحنفية -وهو ابن علي رضي الله عنه من زوجته الحنفية - قال: [[قلت لأبي: أي الناس خير بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: أبو بكر، قلت: ثم من؟ قال: ثم عمر]]([50]).
وعندما أظهر ابن سبأ الطعن على أبي بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما، أمر علي بقتله، ثم شفع فيه بعض الناس، فعدل عن قتله ونفاه إلى المدائن -كما اعترف أحد الشيعة بذلك-([51]).
فرضي الله عن أمير المؤمنين وجزاه ربه خيراً عن وضعه الحق في نصابه ومعرفته الفضل لأهله، فإنما يعرف الفضل لأهل الفضل ذوو الفضل.
وعلى معتقده في الشيخين كان معتقد شيعته الأوائل، فإنهم لم يتنازعوا في تفضيل أبي بكر وعمر عليه رضي الله عنهم أجمعين، وهذا ما اعترف به علماء الشيعة الأكابر، فقد ذكر أبو القاسم البلخي أن سائلاً سأل شريك بن عبد الله بن أبي نمر -من كبار أصحاب علي رضي الله عنه- فقال له: [[أيهما أفضل: أبو بكر أو علي؟ فقال له شريك: أبو بكر، فقال السائل: أتقول هذا وأنت من الشيعة؟ فقال: نعم. إنما الشيعي من قال مثل هذا، والله لقد رقى علي هذه الأعواد -يريد أعواد منبر مسجده في الكوفة - فقال: ألا إن خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر. أفكنا نرد قوله؟ أكنا نكذبه؟ والله ما كان كذاباً]]([52]).!!
أما الإمام محمد بن علي، أبو جعفر الباقر: فقد نهى عن اللعن والسب مطلقاً، وأخبر أن الله تعالى يبغض ذلك، فقال: [[إن الله يبغض اللعان السباب الطعان الفحاش المتفحش]]، وهذا ما اعترف به أحد الشيعة([53]). فهل يفعل الإمام المعصوم -عندهم- ما يبغضه الله؟
وقد أخبر عن نفسه -رحمه الله- أنه يتولى الشيخين أبا بكر وعمر رضي الله عنهما، وأخبر أيضاً أنه لم يكن أحد من أهل البيت يسبهما.
فعندما سأله جابر الجعفي عن الشيخين رضي الله تعالى عنهما: [[أكان منكم أهل البيت أحد يسب أبا بكر وعمر؟ قال: لا. وأنا أحبهما، وأتولاهما وأستغفر لهما]]([54]).
أما الإمام جعفر الصادق رحمه الله -إمام القوم السادس- فلم يكن يتولاهما فحسب، بل كان يأمر أتباعه بتوليهما أيضاً: فقد روى الكليني -في كتاب الكافي الذي هو عند الشيعة بمنزلة صحيح البخاري عند أهل السنة - بسنده عن الصادق أنه: [[قال لامرأة من الشيعة سألته عن أبي بكر وعمر، أتتولاهما وتحبهما؟ قال: توليهما، قالت: فأقول لربي إذا لقيته: إنك أمرتني بولايتهما؟ قال: نعم.]]([55]).
وأخبر زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب أصحابه أنه لم يسمع أحداً من آبائه يتبرأ من أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، كما نقل ذلك عن الشيعة([56]).
وآباؤه -رضوان الله عليهم- الذين لم يسمع أحداً منهم يتبرأ من الشيخين هم: زين العابدين، وعلي بن الحسين، وأبوه الحسين بن علي، وجده علي بن أبي طالب.
أفلا يسع الشيعة ما وسع أئمتهم من تولي الشيخين والترضي عنهما، وعدم التبرؤ منهما، ولعنهما؟!
ولم يكتف زيد بن علي رضي الله عنهما بقوله هذا، بل وافقه بفعله وذلك حين جاءه قوم ممن ينتحلون التشيع ومودة آل البيت، وطلبوا منه أن يتبرأ من الشيخين، أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، حتى يبايعوه -وذلك حينما خرج على الأمويين- فقال لهم كلمته الرائعة التي ألجمت أفواههم، وبينت لهم معنى التشيع الحق: [[أنا أتبرأ ممن يتبرأ منهما]]([57]). [[البراءة من أبي بكر وعمر براءة من علي]]([58]). [[فقالوا له: إذن نرفضك]]([59]).
فهذه أقوال من يزعم الشيعة أنهم أئمة لهم، وهذه حالهم، ويتولون أبا بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما، بل وسائر الصحابة، ويترحمون عليهم، ولا يتبرؤون منهم، بل ويأمرون الناس بتوليهم ومحبتهم، ويحذرونهم من بغضهم وسبهم. فكيف يدعي من يزعم الانتساب إليهم أن البراءة من الشيخين والصحابة واجبة؟!.
سؤال أترك الإجابة عليه للشيعة أنفسهم.
---------------
([1]) رواه الصفار في بصائر الدرجات الكبرى (ص: 412)، والمفيد في الاختصاص (ص: 312).
([2]) السقيفة لسليم بن قيس (ص: 194).
([3]) نفحات اللاهوت للكركي (ق: 6/أ، 74/ب).
([4]) البلد الأمين للكفعمي (ص:511)، والمصباح له (ص: 551)، ونفحات اللاهوت للكركي (ق: 74/ب)، وعلم اليقين للكاشاني (2/701)، وفصل الخطاب للنوري الطبرسي (ص: 221 – 222).
([5]) المصادر السابقة نفسها.
([6]) المصادر السابقة نفسها.
([7]) ضياء الصالحين (ص: 513).
([8]) ضياء الصالحين (ص: 513).
([9]) الذريعة لآغا بزرك الطهراني (8/192).
([10]) راجع المصادر الشيعية التالية: البلد الأمين للكفعمي (ص: 511)، والمصباح له (ص: 551)، ونفحات اللاهوت للكركي (ق: 74/ب)، وعلم اليقين للكاشاني (2/701)، وفصل الخطاب للنوري الطبرسي (ص: 221-222)، والذريعة إلى تصانيف الشيعة لآغا بزرك الطهراني (8/192)، وأمل الآمل للحر العاملي (2/32).
([11]) في البلد الأمين (ص: 511-514)، وفي المصباح (الجنة الواقية) (ص: 548- 557).
([12]) في علم اليقين (2/701-703).
([13]) في فصل الخطاب (ص: 9-10).