بل والبراءة منهم تعتبر عند الشيعة من أسباب ذهاب الأسقام وشفاء الأبدان([37])، ومن تبرأ منهم ومات في ليلته دخل الجنة.
روى الكليني في كتابه الكافي -الذي يعد أحد الأصول الأربعة المعتبرة عند الشيعة - بسنده عن أحدهما([38]).- قال: [[من قال: اللهم إني أشهدك وأشهد ملائكتك المقربين وحملة عرشك المصطفين أنك أنت الله لا إله إلا أنت الرحمن الرحيم، وأن محمداً عبدك ورسولك، وأن فلاناً إمامي ووليي([39])، وأن أباه رسول الله صلى الله عليه وآله، وعلي والحسن والحسين وفلاناً وفلاناً -حتى ينتهي إليه([40]).- أوليائي على ذلك، أحيا عليه وأموت، وعليه أبعث يوم القيامة، وأبرأ من فلان وفلان وفلان، فإن مات في ليلته دخل الجنة]]([41]).
وفلان وفلان وفلان هم أبو بكر وعمر وعثمان رضي الله تعالى عنهم.
وليس الشيعة وحدهم الذين يلعنون الشيخين الجليلين أبا بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما ويتبرؤون منهما، بل هناك خلق آخر -على حد زعم الشيعة - خلقهم الله للعن الشيخين والتبرؤ منهما فقط:
فقد نسب الشيعة -زوراً وبهتاناً- إلى جعفر الصادق رحمه الله أنه قال: [[إن من وراء عين شمسكم هذه أربعين عين شمس فيها خلق كثير، وإن من وراء قمركم أربعين قمراً فيها خلق كثير لا يدرون أن الله خلق آدم أم لم يخلقه ألهموا إلهاماً لعنة فلان وفلان]].
وفي رواية الكليني صاحب الكافي: [[لم يعصوا الله طرفة عين يبرؤون من فلان وفلان]]([42]).
وقد علق المجلسي على هذه الرواية بقوله: (من فلان وفلان أي: من أبي بكر وعمر).([43]).
وخلاصة القول: أن الشيعة الإثني عشرية مجمعون على لعن الشيخين أبي بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما والتبرؤ منهما، بل ويوجبون ذلك كما تقدم آنفاً.
ولا ريب في مخالفة هذه الأقوال لما يعتقده أئمتهم في الشيخين رضي الله عنهما خصوصاً وفي الصحابة عموماً، وستأتي بعض أقوالهم في ذلك، ولا شك أن ما نسبوه إلى بعض أئمتهم من لعن الشيخين رضي الله عنهما وغيرهما من الصحابة والتبرؤ منهم، مكذوب على أولئك الأئمة، وقد ورد عنهم ما يخالف ذلك:
فهذا أمير المؤمنين علي رضي الله تعالى عنه ينهى بعض من كان في جيشه عن سب معاوية رضي الله عنه -مع كونه دون الشيخين في الفضل باعتراف الشيعة أنفسهم- ويقول لهم ما نسبه إليه الشيعة في كتبهم: [[كرهت لكم أن تكونوا شتامين لعانين]]([44]) فما كرهه لهم يكرهه لنفسه، وهو الذي يعمل بما يقول وهو المعصوم -في نظرهم-.
وليس الأمر قاصراً على مجرد الكراهة، بل إن أمير المؤمنين علياً رضي الله عنه أمر بقتل من يلعن الشيخين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، فقد روى أحمد والطبراني([45]) بسند حسن عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: [[يأتي قوم بعدنا ينتحلون شيعتنا وليسوا بشيعتنا لهم نبز،([46]) وآية ذلك أنهم يشتمون أبا بكر وعمر فإذا لقيتموهم فاقتلوهم فإنهم مشركون]]([47]).
ولما بلغه رضي الله تعالى عنه أن بعض الناس يتناولون الشيخين رضي الله تعالى عنهما بالسب توعد من تكلم فيهما بسوء بحد المفتري ثمانين جلدة، فقد روى الشيخ محمد بن عبد الواحد المقدسي بسنده أن أمير المؤمنين رضي الله تعالى عنه بلغه أن نفراً من الناس يتناولون أبا بكر وعمر، فقال: [[لعن الله من أضمر لهما إلا الحسن الجميل]]، ثم صعد المنبر وخطب الناس خطبة بليغة جاء فيها: [[ما بال أقوام يذكرون سيدي قريش، وأبوي المسلمين؟ أنا مما قالوا بريء وعلى ما قالوا معاقب، ألا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة لا يحبهما إلا مؤمن تقي، ولا يبغضهما إلا فاجر ردي]].
ثم ذكر كلاماً طويلاً أخبر فيه عن فضلهما، وعن وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو راضٍ عنهما، وعن رضا الناس ببيعتهما، وعن سيرتهما الحميدة في خلافتهما، ثم ختم كلامه رضي الله تعالى عنه بقوله: [[ألا فمن أحبني فليحبهما ومن لم يحبهما فقد أبغضني، وأنا منه بريء، ولو كنت تقدمت إليكم في أمرهما لعاقبت على هذا أشد العقوبة، ولكن لا ينبغي أن أعاقب قبل التقدم، ألا فمن أتيت به يقول هذا بعد اليوم، فإن عليه ما على المفتري، ألا وخير هذه الأمة بعد نبيها: أبو بكر وعمر، ولو شئت لسميت الثالث، وأستغفر الله لي ولكم]]([48]).
فما أحوج الشيعة إلى تأمل هذا الكلام العظيم من هذا الإمام الكريم، إنه لم يكتف بالنهي عن سبهما وبغضهما، بل جعل حبهما رضي الله تعالى عنهما من علامات حبه رضي الله تعالى عنه، وجعل بغضهما من علامات بغضه، بل وفضلهما على نفسه الكريمة، بجعلهما خير الناس بعد رسول الله ومصطفاه صلى الله عليه وسلم.
وتفضيله لهما على نفسه رضي الله عنه متواتر مستفيض عنه، فقد تواتر عنه رضي الله عنه من الوجوه الكثيرة أنه قال على منبر الكوفة، وأسمع من حضر: [[خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر وعمر]]([49]).