بهذا الخُلق نصر الإسلام على يدي أبي بكر رضي الله عنه يوم الردة.. والإمام أحمد رحمه الله يوم المحنة..
وإن لم يسر نجل السري بسيره ** فلا بدع إن طال العدى إنه دعي
هذا الخُلق هو الذي ترجم معنى لا إله إلا الله في قلب عبدالله رضي الله عنه ابن رأس النفاق أبي.. حين بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بأبيه ودعاه.. فخمر أنفه وقال: غبر علينا ابن أبي كبشة إليك عنا فقد آذانا نتن حمارك.. فغضب عبدالله لله.. وفي ظلال قول الله..(لَا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ).. أتى رسول الله وقال: يا رسول الله والذي أكرمك بالهدى ودين الحق لإن شئت لآتيتك برأسه.. حاله:
وإني لأرجوا أن أنال بقتله ** من الله أجرا مثل أجر المرابط
فقال صلى الله عليه وسلم:..... لا...... ولكن بر أباك وأحسن صحبته.. والحال:
فما البحر الخضم يعاب يوما ** إذا بالت بجانبه القرود
هذا الخُلق مع الإيمان هو الذي حرك الغيرة في قلب الشيخ المحاربي.. حين رأى منكرا على الحجاج لا يسعه السكوت عليه.. فأنكر عليه وهو يستشعر أن أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر.. فقال له: أسكت وأغرب والله لقد هممت أن أخلع لسانك فأضرب بها وجهك..
فقال الشيخ بعزيمة جبارة لو ** حملت أحدا لما شعرت له بكلال
سبحان الله إن صدقناك أغضبناك وإن غششناك أغضبنا الله.. ولا والله الذي لا إله إلا هو.. لغضب الأمير أهون من غضب الله..(وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ) ثم مضى.. وحاله:
فما دحضت رجلي ولا زل مقولي ** ولا طاش عقلي يوم تلك الزلازل
وما أنا ممن تقبل الضيم نفسه ** ويرضى بما يرضى به كل مائق
هذا الخُلق مع الإيمان هو الذي جعل عبادة في فتنة القول بخلق القرآن يصدع ويقول: كلام الله منزل غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود.. ثم كان حجة يفهم من يقول بذلك القول.. حين دخل يوما على الواثق وقال: يا أمير المؤمنين أعظم الله أجرك في القرآن..!! قال: ويلك القرآن يموت..!! قال: يا أمير المؤمنين كل مخلوق يموت.. ثم موه عليه ومخرق.. قال: بالله يا أمير المؤمنين من يصلي بالناس التراويح إذا مات القرآن..
فأعاد الحر منهم حائرا ** وثنا منهم المنطيق مفحما
سيرت سفنهم في بحره ** فهوت في قعره والتطما
سدت الطريق وأغص بالريق ويئس من الساحل الغريق..!!
وإن رغمت أنوف من أناس ** فقل يا رب لا ترغم سواه
وما كانت كِلام السيف يوما ** لتبلغ مثل ما بلغ الكلام
هذا الخُلق مع الإيمان هو الذي جعل دعاة القيم يزدرون حطام الدنيا وينظرون بشفقة ورثاء لمن يلهث ورائها كخادم لسيده..
تراه يشفق من تضييع درهمه ** وليس يشفق من دين يضيعه
حداه في درهمه أعز عندي من وحيد أمه كل المنى في ضمه وشمه.. فرفعوا أصواتهم إنما هذه الحياة الدنيا متاع.. من هؤلاء شاعر مسلم شجاع استنفر فوجب عليه النفير.. لما سمع يا خيل الله اركبي وبالجنة ابشري.. خرج مجاهدا في سبيل الله أمسكت به زوجته وهي تبكي وتقول: كيف تخرج وتتركني..؟! إلى من تدعني..؟! فكر وتأمل ورأى أن لا عذر له فولى وهو يغالب عواطفه.. يقول:
باتت تذكرني بالله قاعدة ** والدمع ينهل من شانيه سبلا
يا بنت عمي كتاب الله أخرجني ** كرها وهل أمنع الله ما فعلا
فإن رجعت فرب الكون أرجعني ** وان لحقت بربي فابتغي بدلا
ما كنت أعرج أو أعمى فيعذرني ** أو ضارع من ضنا لم يستطع هولا
ثم مضى شجاعا آثر الله ورسوله والدار الآخرة وجعل الدنيا دابة يركبها يستخدمها ولا يخدمها حداءه..
اختر لنفسك منزلا تعلوا به ** أو مت كريما تحت ظل القسطل
موت الفتى في عزة خير له ** من أن يعيش أسير طرف أكحل
عبد الله...........
من يرضى بالعير يهجر كاهل الفرس ** أتطلب جيفة الغربان يا خير الشياهين
خذها رافعيا إذا رأيت أمة فتنت بدنياها.. فاعلم أنها أمة جبانة مأكولة مفلولة.. فلو شهرت السيف الماضي.. لقاتل في يدها بروح ملعقة.. ولو رعدت بالأسطول المهول.. لصلصل كآنية المطبخ..
أسود لدى الأبيات عند نسائهم ** ولكنهم عند الهياج نقانق
إذا أبصروا شخصا يقولون جحفل ** وجبن الفتى سيف لعينيه بارق
فلا رحم الله امرأ باع دينه ** بدنيا سواه وهو للحق رامق
.. .. .. .. .. ........
هذا الخُلق مع خوف الله هو الذي جعل القاسم ابن محمد رحمه الله أحد الفقهاء السبعة يقول لمن سأله عن شيء لا يعلمه: لا أعلمه.. لا أحسنه.. فجعل يقول الرجل: إني أرسلت إليك لا أعرف غيرك..!! فقال القاسم: لا تنظر إلى طول لحيتي وكثرة الناس حولي.. والله لا أحسنه.. ووالله لأن يقطع لساني أحب إليّ من أن أتكلم بما لا علم لي به..
نأى بأعطافه من خوفه ورسا ** بأصله وسما بالأنف والراسي
فقال شيخ من قريش كان بجنبه: إلزمها فوالله ما رأيتك في مجلس أنبل منك اليوم..!!
تحكي السماء إذا أنوارها لمعت ** برج ببرج ونبراسا بنبراس
كم شارب عسلا فيه منيته ** وكم تقلد سيفا من به ذبحا