والمهم هو رجع النصر إلى تأييد الله وتدبيره .. وفي هذا تخذيل للذين كفروا وتهديد . كما أن فيه تثبيتاً للذين آمنوا وتهوينا من شأن أعدائهم فلا يرهبونهم ..وكان الموقف يقتضي هذا وذاك ..وكان القرآن يعمل هنا وهناك..
وما يزال القرآن يعمل بحقيقته الكبيرة . وبما يتضمنه من مثل هذه الحقيقة .. إن وعد الله بهزيمة الذين يكفرون ويكذبون وينحرفون عن منهج الله ، قائم في كل لحظة . ووعد الله بنصر الفئة المؤمنة - ولو قل عددها - قائم كذلك في كل لحظة . وتوقف النصر على تأييد الله الذي يعطيه من يشاء حقيقة قائمة لم تنسخ ، وسنة ماضية لم تتوقف .
وليس على الفئة المؤمنة إلا أن تطمئن إلى هذه الحقيقة ، و تثق في ذلك الوعد ، وتأخذ للأمر عدته التي في طوقها كاملة، وتصبر حتى يأذن الله ، ولا تستعجل ولا تقنط إذا طال عليها الأمد المغيب في علم الله ، المدبر بحكمته ، المؤجل لموعده الذي يحقق هذه الحكمة :
﴿ إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار ﴾ ..
ولا بد من بصر ينظر وبصيرة تتدبر ، لتبرز العبرة ، وتعيها القلوب . وإلاّ فالعبرة تمر في كل لحظة في الليل والنهار!"(11)
* ومن الآيات التي تدخل تحت هذا الباب - أيضار - قوله تعالى : ﴿ سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب بما أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطاناً . ومأواهم النار ، وبئس مثوى الظالمين ﴾ آل عمران (151) .
" والوعد من الله الجليل القادر القاهر ، بإلقاء الرعب في قلوب الذين كفروا ، كفيل بنهاية المعركة ، وضمان لهزيمة أعدائه ونصر أوليائه ..
وهو وعد قائم في كل معركة يلتقي فيها الكفر بالإيمان . فما يلقى الذين كفروا الذين آمنوا حتى يخافوهم ، ويتحرك الرعب الملقى من الله في قلوبهم . ولكن المهم أن توجد حقيقة الإيمان في قلوب المؤمنين. حقيقة الشعور بولاية الله وحده ، والثقة المطلوبة بهذه الولاية ، والتجرد من كل شائبة من شك في أن جند الله هم الغالبون ، وأن الله غالب على أمره ، وأن الذين كفروا غير معجزين في الأرض ولا سابقين لله سبحانه !
وما دام أولئك المشركون يشركون بالله ما لم ينزل به سلطاناً ، من الآلهة والعقائد والتصورات فهم يرتكنون إلى ضعف وخواء ، وهم أبداً خوارون ضعفاء ، وهم أبداً في رعب حيثما التقوا بالمؤمنين المرتكنين إلى الحق ذي السلطان ..
وأننا لنجد مصداق هذا الوعد كلما التقى الحق والباطل .. وكم من مرة وقف الباطل مدججاً بالسلاح أمام الحق الأعزل . ومع ذلك كان الباطل يحتشد احتشاد المرعوب ، ويرتجف من كل حركة وكل صوت - وهو في حشده المسلح المحشود - فأما إذا أقدم الحق وهاجم فهو الذعر والفزع والشتات والاضطراب في صفوف الباطل ، ولو كانت له الحشود ، وكان للحق القلة، تصديقاً لوعد الله الصادق :﴿ سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب بما أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطاناً ﴾ .. " (12)
* وقال تعالى - أيضاً - : ﴿ لن يضروكم إلاّ أذى ، وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار ثم لا ينصرون ، ضربت عليهم الذلة أين ما ثقفوا إلاّ بحبل من الله وحبل من الناس وباءوا بغضب من الله وضربت عليهم المسكنة ، ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون الأنبياء بغير حق ، ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون ﴾آل عمران (111،112) .
" بهذا يضمن الله للمؤمنين النصر وسلامة العاقبة ، ضمانة صريحة حيثما التقوا بأعدائهم هؤلاء ، وهم معتصمون بدينهم وربهم في يقين : ﴿ لن يضروكم إلاّ أذى . وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار ثم لا ينصرون ﴾ ..
فلن يكون ضرراً عميقاً ولا أصيلاً يتناول أصل الدعوة ، ولن يؤثر في كينونة الجماعة المسلمة ، ولن يجليها من الأرض.. إنما هو الأذى العارض في الصدام ، والألم الذاهب مع الأيام .. فأما حين يشتبكون مع المسلمين في قتال ، فالهزيمة مكتوبة عليهم - في النهاية - والنصر ليس لهم على المؤمنين ، ولا ناصر لهم كذلك ولا عاصم من المؤمنين .. ذلك أنه قد ﴿ ضربت عليهم الذلة ﴾ وكتبت لهم مصيراً . فهم في كل أرض يذلون ، لا تعصمهم إلاّ ذمة الله وذمة المسلمين - حين يدخلون في ذمتهم فتعصم دماءهم وأموالهم إلاّ بحقها ، وتنيلهم الأمن والطمأنينة - ولم تعرف يهود منذ ذلك الحين الأمن إلاّ في ذمة المسلمين . ولكن يهود لم تعاد أحداً في الأرض عداءها للمسلمين ! .. ﴿ وباءوا بغضب من الله ﴾ .. كأنما رجعوا من رحلتهم يحملون هذا الغضب . ﴿ وضربت عليهم المسكنة ﴾ تعيش في ضمائرهم وتكمن في مشاعرهم ..
ولقد وقع ذلك كله بعد نزول هذه الآية . فما كانت معركة بين المسلمين وأهل الكتاب إلاّ كتب فيها للمسلمين النصر - ما حافظوا على دينهم واستمسكوا بعقيدتهم ، وأقاموا منهج الله في حياتهم - وكتب لأعدائهم المذلة والهوان إلاّ أن يعتصموا بذمة المسلمين أو أن يتخلى المسلمون عن دينهم " . (13)
* ومن الآيات الدالة على ذلك أيضاً قوله تعالى : ﴿ ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً ﴾ النساء (141) .