" وفي تفسير هذه الآية وردت رواية أن المقصود بهذا النص يوم القيامة حيث يحكم الله بين المؤمنين والمنافقين فلا يكون هناك للكافرين على المؤمنين سبيل . كما وردت رواية أخرى بأن المقصود هو الأمر في الدنيا بأن لا يسلط الله الكافرين على المسلمين تسليط استئصال . وإن غلب المسلمون في بعض المعارك وفي بعض الأحايين .
وإطلاق النص في الدنيا والآخرة أقرب . لأنه ليس منه تحديد . والأمر بالنسبة للآخرة لا يحتاج إلى بيان أو توكيد .. أما بالنسبة للدنيا، فإن الظواهر أحياناً قد توحي بغير هذا .. ولكنها ظواهر خادعة تحتاج إلى تمعن وتدقيق :
إنه وعد من الله قاطع . وحكم من الله جامع : أنه متى استقرت حقيقة الإيمان في نفوس المؤمنين ، وتمثلت في واقع حياتهم منهجاً للحياة ، ونظاماً للحكم ، وتجرداً لله في كل خاطرة وحركة ، وعبادة الله في الصغيرة والكبيرة.. فلن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا ..
وهذه حقيقة لا يحفظ التاريخ الإسلامي كله واقعة واحدة تخالفها ! " (14)
* وقال تعالى - كذلك - : ﴿ إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله وشاقوا الرسول من بعد ما تبين لهم الهدى لن يضروا الله شيئاً وسيحبط أعمالهم ﴾ محمد(32) .
وهذا قرار من الله مؤكد ، ووعد منه واقع : إن الذين كفروا ، ووقفوا في وجه الحق أن يبلغ إلى الناس ، وصدوا الناس عنه بالقوة أو المال أو الخداع أو أي وسيلة من الوسائل ، وشاقوا الرسول - صلى الله عليه وسلم - في حياته بإعلان الحرب عليه ، والمخالفة عن طريقه، والوقوف في غير صفه . أو بعد وفاته بمحاربة دينه وشريعته ومنهجه والمتبعين لسنته والقائمين على دعوته . وذلك ﴿ من بعد ما تبين لهم الهدى ﴾ .. وعرفوا أنه الحق ، ولكنهم اتبعوا الهوى ، وجمح بهم العناد، وأعماهم الغرض ، وقادتهم المصلحة العاجلة ..
قرار من الله مؤكد ، ووعد من الله واقع أن هؤلاء ﴿ لن يضروا الله شيئا ً﴾ .. وهم أضأل وأضعف من أن يذكروا في مجال إلحاق ضرر بالله سبحانه وتعالى . فليس هذا هو المقصود . إنما المقصود أنهم لن يضروا دين الله ولا منهجه ولا القائمين على دعوته . ولن يحدثوا حدثاً في نواميسه وسننه . مهما بلغ من قوتهم ، ومهما قدروا على إيذاء بعض المسلمين فترة من الوقت . فإن هذا بلاء وقتي يقع بإذن الله لحكمة يريدها وليس ضرراً حقيقياً لناموس الله وسنته ونظامه ونهجه وعباده القائمين على نظامه ونهجه . والعاقبة مقررة : ﴿ وسيحبط أعمالهم ﴾ .. فتنتهي إلى الخيبة والدمار . كما تنتهي الماشية التي ترعى ذلك النبات السام ! " . (15)
وبمثل هذا التقرير ذكّر الله تعالى نبيه الكريم - في أعقاب غزوة أحد - في قوله تعالى : ﴿ ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر ، إنهم لن يضروا الله شيئاً ، يريد الله ألا يجعل لهم حظاً في الآخرة ، ولهم عذاب عظيم . إن الذين اشتروا الكفر بالإيمان لن يضروا الله شيئاً ، ولهم عذاب أليم ، ولا يحسبن الذين كفروا إنما نملي لهم خيراً لأنفسهم ، إنما نملي لهم ليزدادوا إثما ، ولهم عذاب مهين ﴾ آل عمران (176-178) .
" إن ذهاب الباطل ناجياً في معركة من المعارك . وبقاءه منتفشاً فترة من الزمان ، ليس معناه أن الله تاركه ، أو أنه من القوة بحيث لا يغلب أو بحيث يضر الحق ضرراً باقياً قاضياً ..
وإن ذهاب الحق مبتلى في معركة من المعارك ، وبقاءه ضعيف الحول فترة من الزمان ، ليس معناه أن الله مجافيه أو ناسيه ! أو أنه متروك للباطل يقتله ويرديه ..
كلا إنما هي حكمة وتدبير .. هنا وهناك .. يملي للباطل ليذهب إلى نهاية الطريق ، وليرتكب أبشع الآثام ، وليحمل أثقل الأوزار ، ولينال أشد العذاب باستحقاق ! .. ويبتلي الحق ، ليميز الخبيث من الطيب ، ويعظم الأمر لمن يمضي مع الابتلاء ويثبت .. فهو الكسب للحق والخسارة للباطل ، مضاعفاً هذا وذاك ! هنا وهناك ! " (16)
* * *
ولقد وردت آيات كثيرة في كتاب الله : تطمئن المؤمنين ، وتعدهم بنصر الله ، وتؤكد وتقرر لهم هزيمة الكافرين ، وتبين أن هزيمتهم محققة لا شك فيها ولا جدال ..
ومن هذه الآيات :
* قوله تعالى : ﴿ سيهزم الجمع ويولون الدبر ﴾ القمر (45) .
" فلا يعصمهم تجمعهم ، ولا تنصرهم قوتهم . والذي يعلنها عليهم هو القهار الجبار .. ولقد كان ذلك كما لا بد أن يكون !
وقال البخاري بإسناده إلى ابن عباس : إن النبي -صلى الله عليه وسلم - قال وهو في قبة له يوم بدر : ( أنشدك عهدك ووعدك اللهم إن شئت لم تعبد بعد اليوم في الأرض أبداً ) . فأخذ أبو بكر رضي الله عنه بيده ، وقال : حسبك يا رسول الله ألححت على ربك فخرج وهو يثب في الدرع ، وهو يقول :﴿سيهزم الجمع ويولون الدبر ..﴾.