تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

حياءً وخجلا من الله, قيل لبعض العارفين: أيسجد القلب؟ قال: نعم يسجد سجدة لا يرفع رأسه منها إلى يوم اللقاء, فهذا سجود القلب, فقلب لا تباشره هذه الكسرة فهو غير ساجد السجودَ المراد منه, إذا سجد القلب لله هذه السجدة العظمى سجدت معه جميع الجوارح وعنا الوجه حينئذ للحي القيوم وخشع الصوت والجوارح كلها وذل العبد وخضع واستكان ووضع خده على عتبة العبودية ناظرا بقلبه إلى ربه ووليه نظرَ الذليل إلى العزيز الرحيم, فلا يُرى إلا متملقا لربه خاضعا له ذليلا مستعطفا له يسأله عطفَه ورحمته, فهو يترضى ربه كما يترضى المحب الكامل المحبةِ محبوبَه المالكَ له الذي لا غنى له عنه ولا بد له منه, فليس له هَمٌّ غير استرضائه واستعطافه, لأنه لا حياة له ولا فلاح إلا في قربه ورضاه عنه ومحبته له, يقول: كيف أغضب من حياتي في رضاه وكيف أعدل عمن سعادتي وفلاحي وفوزي في قربه وحبه وذكره, وصاحب هذا المشهد يشهد نفسه كرجل كان في كَنَف أبيه يغذوه بأطيب الطعام والشراب واللباس ويربيه أحسنَ التربية ويُرقِّيه على درجات الكمال أتم ترقية وهو القيم بمصالحه كلها, فبعثه أبوه في حاجة له فخرج عليه في طريقه عدوٌّ فأسَره وكتفه وشده وثاقا ثم ذهب به إلى بلاد الأعداء فسامه سوء العذاب وعامله بضد ما كان أبوه يعامله به, فهو يتذكر تربية والده وإحسانَه إليه الفينة بعد الفينة, فتهيج من قلبه لواعج الحسرات كلما رأى حاله ويتذكر ما كان عليه وكلَّ ما كان فيه, فبينا هو في أسر عدوه يسومه سوء العذاب ويريد نحره في آخر الأمر إذ حانت منه التفاتة إلى نحو ديار أبيه فرأى أباه منه قريبا فسعى إليه وألقى نفسه عليه وانطرح بين يديه يستغيث: يا أبتاه يا أبتاه يا أبتاه! انظر إلى ولدك وما هو فيه, ودموعُه تستبق على خديه قد اعتنقه والتزمه, وعدوُّه في طلبه حتى وقف على رأسه وهو ملتزم لوالده ممسك به, فهل تقول: إن والده يُسْلمه مع

المدخل إلى طلب العلم · الصفحة ١٥٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المدخل إلى طلب العلمص ١٥٦