تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إلى نفسه طرفة عين لم ينقسم عليهم بل هو نصيب من ظفِر به منهم, وفي هذا المشهد يعرف نفسه حقا ويعرف ربه.

قال: والمقصود أن هذا المشهد يُعرِّف العبدَ أنه عاجز ضعيف فتزول عنه رعونات الدعاوى والإضافات إلى نفسه, ويعلم أنه ليس له من الأمر شيء إن هو إلا محض القهر والعجز والضعف.

فحينئذ يطلع منه على المشهد الثاني عشر وهو: مشهد الذل والانكسار والخضوع والافتقار للرب جل جلاله, فيشهد في كل ذرة من ذراته الباطنة والظاهرة ضرورةً تامة وافتقارا تاما إلى ربه ووليه ومن بيده صلاحه وفلاحه وهداه وسعادته, وهذه الحال التي تحصل لقلبه لا تنال العبارةُ حقيقتَها وإنما تُدرك بالحصول, فيحصل لقلبه كسرة خاصة لا يشبهها شيء, بحيث يرى نفسه كالإناء المرضوض تحت الأرجل الذي لا شيء فيه ولا به ولا منه ولا فيه منفعة ولا يُرغَب في مثله وأنه لا يصلح للانتفاع إلا بجبر جديد من صانعه وقَيِّمه, فحينئد يستكثر في هذا المشهد ما من ربه إليه من الخير, ويرى أنه لا يستحق قليلا منه ولا كثيرا, فأي خير ناله من الله استكثره على نفسه وعلم أن قدره دونه وأن رحمة ربه هي التي اقتضت ذكره به وسياقتَه إليه, واستقل ما من نفسه من الطاعات لربه ورآها ولو ساوت طاعات الثقلين من أقل ما ينبغي لربه عليه, واستكثر قليل معاصيه وذنوبه, فإن الكسرة التي حصلت لقلبه أوجبت له هذا كلَّه, فما أقرب الجبرَ من هذا القلب المكسور, وما أدنى النصر والرحمة والرزق منه, وما أنفع هذا المشهد له وأجداه عليه, وذرةٌ من هذا ونَفَس منه أحب إلى الله من طاعات أمثال الجبال من المُدْلين المعجَبين بأعمالهم وعلومهم وأحوالهم, وأحب القلوب إلى الله سبحانه قلب قد تمكنت منه هذه الكسرة وملكته هذه الذلة, فهو ناكس الرأس بين يدي ربه لا يرفع رأسه إليه

المدخل إلى طلب العلم · الصفحة ١٥٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المدخل إلى طلب العلمص ١٥٥