حنبل، ويعلم أن في ذلك كسرَ عظام الموتى، ثم يرى نفسه أهلا لذلك التصدر, ومنهم من يقول: ادفِنوني إلى جانب مسجدي ظنا منه أنه يصير بعد موته مزارا كمعروف الكرخي, وهذه خَلَّة مهلكة ولا يعلمون, قال النبي /: من ظن أنه خير من غيره فقد تكبر, وقلَّ من رأيت إلا وهو يرى نفسه, والعَجَب كل العجب ممن يرى نفسه، أتراه بماذا رآها, إن كان بالعلم فقد سبقه العلماء، وإن كان بالتعبد فقد سبقه العباد، أو بالمال فإن المال لا يوجب بنفسه فضيلة دينية, فإن قال: قد عرفت ما لم يعرف غيري من العلم في زمني، فما عليَّ ممن تقدم, قيل له: ما نأمرك يا حافظ القرآن أن ترى نفسك في الحفظ كمن يحفظ النصف, ولا يا فقيهُ أن ترى نفسك في العلم كالعامي, إنما نحذر عليك أن ترى نفسك خيرا من ذلك الشخص المؤمن وإن قل علمه, فإن الخيرية بالمعاني لا بصور العلم والعبادة, ومن تلمح خصال نفسه وذنوبَها علم أنه على يقين من الذنوب والتقصير، وهو من حال غيره على شك, فالذي يُحذَر منه الإعجابُ بالنفس، ورؤيةُ التقدم في أحوال الآخرة، والمؤمن الحق لا يزال يحتقر نفسه, وقد قيل لعمر بن عبد العزيز /: إن مت ندفنك في حجرة رسول الله /، فقال: لأن ألقى الله بكل ذنب غيرِ الشرك أحب إلي من أن أرى نفسي أهلا لذلك, وقد روينا أن رجلا من الرهبان رأى في المنام قائلا يقول له: فلان الإسكافي خير منك، فنزل من صومعته فجاء فسأله عن عمله فلم يذكر كبير عمله, فقيل له في المنام: عُد إليه وقل له: مِمَّ صفرة وجهك؟ فعاد فسأل فقال: ما رأيت مسلما إلا وظننته خيرا مني, فقيل له: فبذاك ارتفع (1).
وجاء في «ترتيب المدارك» للقاضي عياض في ترجمة أبي إسحاق السبائي: ذكر له بعض أصحابه أنه مرَّ بموضع كذا, فإذا بشيخ لم ير أجمل منه, فقال له أبو
(1) صيد الخاطر (ص 294 - 295)