وأما الزبور فأدعية بتحاميد وتسابيح تنسب إلى داود عن لفظه ولئن كانت معاني هذه الكتب مضافة إلى الله تعالى فليست بصيغة لفظه ولا على نظم كلامه كما نزل القرآن جامعا لألفاظه ومعانيه وترتيبه فصار مباينا لجميع كتبه وما هذا إلا بمعونة إلهية حفظ الله تعالى بها إعجازه وأمد بها رسوله كما قال تعالى إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون
فإن قيل فحفظ الكلام على صيغة لفظه واشتمال معانيه لا يكون معجزا كأشعار الجاهلية القدماء وأمثال من سلف من الحكماء فعنه جوابان أحدهما أن في هذ محولا ومتروكا فلم ينحفظ والثاني أنه لا يعلم حاله فلم ينضبط والقرآن مخالف لهما في حفظه وضبطه
| فصل تناسب آياته
والوجه الثالث عشر من إعجازه اقتران معانيه المتغايرة واقتران نظائرها في السور المختلفة فيخرج في السورة من وعد إلى وعيد ومن ترغيب إلى ترهيب ومن ماض إلى مستقبل ومن قصص إلى مثل ومن حكم إلى جدل فلا ينبو ولا يتنافر وهي في غيره من الكلام متنافرة فتتجانس معانيها وكذلك هي في غيره من الكتب المنزلة مفصلة لكل نوع سفر فإن التوراة مقسومة على خمسة أسفار وكل سفر منها مفرد بمعنى واحد من المعاني المستودعة فيها
فالسفر الأول لذكر بدء الخلق والسفر الثاني لخروج بني إسرائيل من مصر والسفر الثالث لأمر القرابين والسفر الرابع لإحصاء موسى بني إسرائيل وما دبرهم به والسفر الخامس لتكرير النواميس وجعل اختلاف معانيها موجبا لتفاضلها فكان أفضل ما في التوراة عند اليهود العشر الكلمات المشتملة على الوصايا التي خاطب الله تعالى بها موسى وبها يستحلفون دون غيرها