فإذا علمت ما جهلت ، وحفظت ما علمت ، فاعلم أن المتعلمين ضربان : مستدعى وطالب .
فأما المستدعى إلى العلم فهو من استدعاه العالم إلى التعليم لما ظهر له من جودة ذكائه ، وبان له من قوة خاطره .
فإذا وافق استدعاء العالم شهوة المتعلم كانت نتيجتها درك النجباء ، وظفر السعداء ؛ لأن العالم باستدعائه متوفر ، والمتعلم بشهوته مستكثر .
وأما طالب العلم لداع يدعوه ، وباعث يحدوه ، فإن كان الداعي دينيا ، وكان المتعلم فطنا ذكيا ، وجب على العالم أن يكون عليه مقبلا وعلى تعليمه متوفرا لا يخفي عليه مكنونا ، ولا يطوي عنه مخزونا .
وإن كان بليدا بعيد الفطنة فينبغي أن لا يمنع من اليسير فيحرم ، ولا يحمل عليه بالكثير فيظلم .
ولا يجعل بلادته ذريعة لحرمانه فإن الشهوة باعثة والصبر مؤثر .
وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ﴿ لا تمنعوا العلم أهله فتظلموا ، ولا تضعوه في غير أهله فتأثموا ﴾ .
وقال بعض الحكماء : لا تمنعوا العلم أحدا فإن العلم أمنع لجانبه .
فأما إن لم يكن الداعي دينيا نظر فيه فإن كان مباحا ، كرجل دعاه إلى طلب العلم حب النباهة وطلب الرئاسة فالقول فيه يقارب القول الأول في تعليم من قبل ؛ لأن العلم يعطفه إلى الدين في ثاني حال ، وإن لم يكن مبتدئا به في أول حال .
وقد حكي عن سفيان الثوري أنه قال : تعلمنا العلم لغير الله تعالى فأبى أن يكون إلا لله .
وقال عبد الله بن المبارك : طلبنا العلم للدنيا فدلنا على ترك الدنيا .
وإن كان