تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أهل التأويل : فوق كل ذي علم من هو أعلم منه حتى ينتهي ذلك إلى الله تعالى وقيل لبعض الحكماء : من يعرف كل العلم ؟ قال : كل الناس .

وقال الشعبي : ما رأيت مثلي وما أشاء أن ألقى رجلا أعلم مني إلا لقيته .

لم يذكر الشعبي هذا القول تفضيلا لنفسه فيستقبح منه ، وإنما ذكره تعظيما للعلم عن أن يحاط به .

فينبغي لمن علم أن ينظر إلى نفسه بتقصير ما قصر فيه ليسلم من عجب ما أدرك منه .

وقد قيل في منثور الحكم : إذا علمت فلا تفكر في كثرة من دونك من الجهال ، ولكن انظر إلى من فوقك من العلماء ، وأنشدت لابن العميد : من شاء عيشا هنيئا يستفيد به في دينه ثم في دنياه إقبالا فلينظرن إلى من فوقه أدبا ولينظرن إلى من دونه مالا وقلما تجد بالعلم معجبا وبما أدرك مفتخرا ، إلا من كان فيه مقلا ومقصرا ؛ لأنه قد يجهل قدره ، ويحسب أنه نال بالدخول فيه أكثره .

فأما من كان فيه متوجها ومنه مستكثرا فهو يعلم من بعد غايته ، والعجز عن إدراك نهايته ، ما يصده عن العجب به .

وقد قال الشعبي : العلم ثلاثة أشبار فمن نال منه شبرا شمخ بأنفه وظن أنه ناله .

ومن نال الشبر الثاني صغرت إليه نفسه وعلم أنه لم ينله ، وأما الشبر الثالث فهيهات لا يناله أحد أبدا .

ومما أنذرك به من حالي أنني صنفت في البيوع كتابا جمعت فيه ما استطعت من كتب الناس ، وأجهدت فيه نفسي وكددت فيه خاطري ، حتى إذا تهذب واستكمل وكدت أعجب به وتصورت أنني أشد الناس اضطلاعا بعلمه ، حضرني ، وأنا في

أدب الدنيا والدين · الصفحة ٨٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أدب الدنيا والدينص ٨٢