تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

مجلسي أعرابيان فسألاني عن بيع عقداه في البادية على شروط تضمنت أربع مسائل لم أعرف لواحدة منهن جوابا ، فأطرقت مفكرا ، وبحالي وحالهما معتبرا فقالا : ما عندك فيما سألناك جواب ، وأنت زعيم هذه الجماعة ؟ فقلت : لا .

فقالا : واها لك ، وانصرفا .

ثم أتيا من يتقدمه في العلم كثير من أصحابي فسألاه فأجابهما مسرعا بما أقنعهما وانصرفا عنه راضيين بجوابه حامدين لعلمه ، فبقيت مرتبكا ، وبحالهما وحالي معتبرا وإني لعلى ما كنت عليه من المسائل إلى وقتي ، فكان ذلك زاجر نصيحة ونذير عظة تذلل بها قياد النفس ، وانخفض لها جناح العجب ، توفيقا منحته ورشدا أوتيته .

وحق على من ترك العجب بما يحسن أن يدع التكلف لما لا يحسن .

فقديما نهى الناس عنهما ، واستعاذوا بالله منهما .

ومن أوضح ذلك بيانا استعاذة الجاحظ في كتاب البيان حيث يقول : اللهم إنا نعوذ بك من فتنة القول كما نعوذ بك من فتنة العمل ، ونعوذ بك من التكلف لما لا نحسن ، كما نعوذ بك من العجب بما نحسن ، ونعوذ بك من شر السلاطة والهذر ، كما نعوذ بك من شر العي والحصر .

ونحن نستعيذ بالله تعالى مثل ما استعاذ فليس لمن تكلف ما لا يحسن غاية ينتهي إليها ولا حد يقف عنده .

ومن كان تكلفه غير محدود فأخلق به أن يضل ويضل .

أدب الدنيا والدين · الصفحة ٨٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أدب الدنيا والدينص ٨٣