تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فينبغي لطالب العلم أن يكشف عن الأسباب المانعة عن فهم المعنى ليسهل عليه الوصول إليه ، ثم يكون من بعد ذلك سائسا لنفسه مدبرا لها في حال تعلمه .

فإن للنفس نفورا يفضي إلى تقصير ووفورا يئول إلى سرف وقيادها عسر ولها أحوال ثلاث : فحال عدل وإنصاف ، وحال غلو وإسراف ، وحال تقصير وإجحاف .

فأما حال العدل والإنصاف فهي أن تختلف قوى النفس من جهتين متقابلتين : طاعة مسعدة وشفقة كافة .

فطاعتها تمنع التقصير ، وشفقتها ترد عن السرف والتبذير .

وهذه أحمد الأحوال ؛ لأن ما منع من التقصير نما ، وما صد عن السرف مستديم .

والنمو إذا استدام فأخلق به أن يستكمل .

وقال بعض الحكماء : إياك ومفارقة الاعتدال ، فإن المسرف مثل المقصر في الخروج عن الحد .

وأما حال الغلو والإسراف فهي أن تختص النفس بقوى الطاعة وتقدم قوى الشفقة فيبعثها اختصاص الطاعة على إفراغ الجهد ، ويفضي إفراغ الجهد إلى عجز الكلال ، فيؤدي عجز الكلال إلى الترك والإهمال ، فتصير الزيادة نقصانا ، والربح خسرانا .

وقد قالت الحكماء : طالب العلم وعامل البر كآكل الطعام إن أخذ منه قوتا عصمه ، وإن أسرف فيه أبشمه .

وربما كان فيه منيته كأخذ الأدوية التي فيها شفاء ومجاوزة القصد فيها السم المميت ، وأما حال التقصير والإجحاف فهي أن تختص النفس بقوى الشفقة وتعدم قوى الطاعة فيدعوها الإشفاق إلى المعصية ، وتمنعها المعصية من الإجابة فلا تطلب شاردا ، ولا تقبل عائدا ، ولا تحفظ مستودعا .

ومن لم يطلب

أدب الدنيا والدين · الصفحة ٧٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أدب الدنيا والدينص ٧٢