فينبغي لطالب العلم أن يكشف عن الأسباب المانعة عن فهم المعنى ليسهل عليه الوصول إليه ، ثم يكون من بعد ذلك سائسا لنفسه مدبرا لها في حال تعلمه .
فإن للنفس نفورا يفضي إلى تقصير ووفورا يئول إلى سرف وقيادها عسر ولها أحوال ثلاث : فحال عدل وإنصاف ، وحال غلو وإسراف ، وحال تقصير وإجحاف .
فأما حال العدل والإنصاف فهي أن تختلف قوى النفس من جهتين متقابلتين : طاعة مسعدة وشفقة كافة .
فطاعتها تمنع التقصير ، وشفقتها ترد عن السرف والتبذير .
وهذه أحمد الأحوال ؛ لأن ما منع من التقصير نما ، وما صد عن السرف مستديم .
والنمو إذا استدام فأخلق به أن يستكمل .
وقال بعض الحكماء : إياك ومفارقة الاعتدال ، فإن المسرف مثل المقصر في الخروج عن الحد .
وأما حال الغلو والإسراف فهي أن تختص النفس بقوى الطاعة وتقدم قوى الشفقة فيبعثها اختصاص الطاعة على إفراغ الجهد ، ويفضي إفراغ الجهد إلى عجز الكلال ، فيؤدي عجز الكلال إلى الترك والإهمال ، فتصير الزيادة نقصانا ، والربح خسرانا .
وقد قالت الحكماء : طالب العلم وعامل البر كآكل الطعام إن أخذ منه قوتا عصمه ، وإن أسرف فيه أبشمه .
وربما كان فيه منيته كأخذ الأدوية التي فيها شفاء ومجاوزة القصد فيها السم المميت ، وأما حال التقصير والإجحاف فهي أن تختص النفس بقوى الشفقة وتعدم قوى الطاعة فيدعوها الإشفاق إلى المعصية ، وتمنعها المعصية من الإجابة فلا تطلب شاردا ، ولا تقبل عائدا ، ولا تحفظ مستودعا .
ومن لم يطلب