تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأما المانع من حفظه بعد تصوره وفهمه فهو النسيان الحادث عن غفلة التقصير وإهمال التواني .

فينبغي لمن بلي به أن يستدرك تقصيره بكثرة الدرس ويوقظ غفلته بإدامة النظر .

فقد قيل لا يدرك العلم من لا يطيل درسه ، ويكد نفسه .

وكثرة الدرس كدود لا يصبر عليه إلا من يرى العلم مغنما ، والجهالة مغرما .

فيحتمل تعب الدرس ليدرك راحة العلم وينفي عنه معرة الجهل .

فإن نيل العظيم بأمر عظيم ، وعلى قدر الرغبة تكون المطالب ، وبحسب الراحة يكون التعب .

وقد قيل : طلب الراحة قلة الاستراحة .

وقال بعض الحكماء : أكمل الراحة ما كانت عن كد التعب ، وأعز العلم ما كان عن ذل الطلب .

وربما استثقل المتعلم الدرس والحفظ واتكل بعد فهم المعاني على الرجوع إلى الكتب والمطالعة فيها عند الحاجة فلا يكون إلا كمن أطلق ما صاده ثقة بالقدرة عليه بعد الامتناع منه فلا تعقبه الثقة إلا خجلا والتفريط إلا ندما .

وهذه حال قد يدعو إليها أحد ثلاثة أشياء : إما الضجر من معاناة الحفظ ومراعاته وطول الأمل في التوفر عليه عند نشاطه وفساد الرأي في عزيمته .

وليس يعلم أن الضجور خائب ، وأن الطويل الأمل مغرور ، وأن الفاسد الرأي مصاب .

والعرب تقول في أمثالها : حرف في قلبك ، خير من ألف في كتبك .

وقالوا : لا خير في علم لا يعبر معك الوادي ، ولا يعمر بك النادي ، وأنشدت عن الربيع للشافعي رضي الله عنه : علمي معي حيث ما يممت ينفعني قلبي وعاء له لا بطن صندوقي إن كنت في البيت كان العلم فيه

أدب الدنيا والدين · الصفحة ٦٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أدب الدنيا والدينص ٦٠