وأما القسم الثالث : وهو أن يكون السبب المانع لعلة في المستمع فذلك ضربان .
أحدهما : من ذاته .
والثاني : من طارئ عليه .
فأما ما كان من ذاته فيتنوع نوعين : أحدهما : ما كان مانعا من تصور المعنى ، والثاني : ما كان مانعا من حفظه بعد تصوره وفهمه .
فأما ما كان مانعا من تصور المعنى وفهمه فهو البلادة وقلة الفطنة وهو الداء العياء .
وقد قال بعض الحكماء : إذا فقد العالم الذهن قل على الأضداد احتجاجه ، وكثر إلى الكتب احتياجه .
وليس لمن بلي به إلا الصبر والإقلال ؛ لأنه على القليل أقدر ، وبالصبر أحرى أن ينال ويظفر .
وقد قال بعض الحكماء : قدم لحاجتك بعض لجاجتك .
وليس يقدر على الصبر من هذا حاله إلا أن يكون غالب الشهوة ، بعيد الهمة ، فيشعر قلبه الصبر ؛ لقوة شهوته ، وجسده احتمال التعب ؛ لبعد همته .
فإذا تلوح له المعنى بمساعدة الشهوة أعقبه ذلك إلحاح الآملين ونشاط المدركين فقل عنده كل كثير ، وسهل عليه كل عسير .
وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ﴿ لا تنالون ما تحبون إلا بالصبر على ما تكرهون ، ولا تبلغون ما تهوون إلا بترك ما تشتهون ﴾ .
وقيل في منثور الحكم : أتعب قدمك ، فإن تعب قدمك .
وقال بعض البلغاء : إذا اشتد الكلف ، هانت الكلف ، وأنشد بعض أهل الأدب لعلي بن أبي طالب كرم الله وجهه - : لا تعجزن ولا يدخلك مضجرة فالنجح يهلك بين العجز والضجر