وأما القسم الثاني : وهو أن يكون السبب المانع من فهم السامع لعلة في المعنى المستودع فلا يخلو حال المعنى من ثلاثة أقسام : إما أن يكون مستقلا بنفسه ، أو يكون مقدمة لغيره ، أو يكون نتيجة من غيره .
فأما المستقل بنفسه فضربان : جلي وخفي .
فأما الجلي فهو يسبق إلى فهم متصوره من أول وهلة ، وليس هو من أقسام ما يشكل على من تصوره .
وأما الخفي فيحتاج في إدراكه إلى زيادة تأمل وفضل معاناة لينجلي عما أخفى وينكشف عما أغمض ، وباستعمال الفكر فيه يكون الارتياض به وبالارتياض به يسهل منه ما استصعب ويقرب منه ما بعد ، فإن للرياضة جراءة وللدراية تأثيرا ، وأما ما كان مقدمة لغيره فضربان : أحدهما : أن تقوم المقدمة بنفسها وإن تعدت إلى غيرها ، فتكون كالمستقل بنفسه في تصوره وفهمه مستدعيا لنتيجته .
والثاني : أن يكون مفتقرا إلى نتيجته فيتعذر فهم المقدمة إلا بما يتبعها من النتيجة ؛ لأنها تكون بعضا وتبعيض المعنى أشكل له وبعضه لا يغني عن كله ، وأما ما كان نتيجة لغيره فهو لا يدرك إلا بأوله ولا يتصور على حقيقته إلا بمقدمته والاشتغال به قبل المقدمة عناء ، وإتعاب الفكر في استنباطه قبل قاعدته إيذاء .
فهذا يوضح تعليل ما في المعاني من الأسباب المانعة من فهمها .